طرابلس ابتلعت مشاريع التنمية وبنغازي تشعل شرارة الثورة
من كان يتصور أن يتحرك الشارع الليبي؟ بل من كان يظن أن بنغازي المدينة الهادئة تنقلب ضد النظام الليبي وتُحدث أول حراك سياسي في تاريخ الجماهيرية الذي قارب حكم القذافي فيها النصف قرن.. أسئلة نحاول الإجابة عليها عبر رحلة الشروق اليومي إلى هذه المدينة الجميلة جدا والمضيافة جدا والثائرة جدا.
- وأنت تتجول في شوارع المدينة من شارع جمال عبد الناصر إلى شارع عمرو بن العاص، إلى شارع عشرين الحيوي، ليلا إلى ميدان الشجرة الذي تحيط به مقاهي الجزائريين والمغاربة والتونسيين، كلها أماكن تجد فيها معاملة واحدة فيها كثير من البساطة وبدون تكلف بعيد عن الإحساس الذي ينتابك في أغلب المدن الكبرى على أنك غريب في بلاد غريبة..
- يكن سكان وأهل بنغازي محبة خاصة للزعيم العربي جمال عبد الناصر، فهو الشخص الذي وقف إلى جانب الليبيين، وله من المواقف العربية ما دونته روايات وكتب تاريخ الثورات العربية المعاصرة، ما جعلهم يطلقون اسمه على أحد أكبر شوارعها الذي يضم العديد من المرافق والمحلات التجارية.
- ملامح العصرنة في هذه المدينة ليست موزعة بشكل عقلاني فوق محيطها العمراني الذي امتزج بين محلات تبدو عادية في شكلها وديكورها والواقعة بالقرب من ميدان الشجرة الذي يتوسط المدينة، وبين محلات تحس من خلالها بأنك أحيانا في دولة غربية، وتبدو أحيانا بنغازي وكأنها خليط ثقافي غالبه عربي خالص، فيه كثير من صفات الرقعة المنفتحة تجاريا والمحافظة أخلاقيا ودينيا، لا تجد فيها متبرجات رغم أنها المدينة الثانية من ناحية الكثافة السكانية والمساحة في الجماهيرية، وقد لمسنا ذلك في أسواقها المنتشرة في شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، فهذا سوق العرب يجمع بين البضاعة الصينية والتايلاندية، في أروقة تجتمع فيها التجارة بالتجزئة بالتجارة بالجملة، عارضة تلك المحلات شتى الأنواع والأصناف من السلع، هناك لن تقتني ما تريد فقط، بل سيدعوك الليبيون إلى نتناول الأكلات الشعبية للمنطقة مثل “كبدة وطني” وهي طبق يشبه كثيرا الطبق المعروف عند بعض الجزائريين بالكمونية يتم تحضيره من طرف المصريين الموجودين بكثرة في بنغازي.
- سيارات العسكري والشرطي والإطار كلها فرود
- وعندما تنتهي من جولة التسوق لن تنتظر كثيرا في الممرات المحاذية للأسواق، لتجد الكثير من السيارات في انتظارك، لا تسأل عن أصحابها، فمعظمهم بلغوا أعلى الدرجات، تمنحك إشارة ضوئية تطلب من صاحبها التوقف لتجد نفسك في سيارة فخمة من ماركة يابانية من نوع تويوتا، وهي الأكثر حضورا في حظيرة السيارات بليبيا، لونها أبيض، اعتقدت في الأول بأنني أخطأت العنوان لكن صاحبها فتح زجاج السيارة في وجهي، وقال لي: “إلى أين ستذهب” فقلت له بأنني أريد الذهاب إلى فندق أوزو، فطلب مني الركوب، وفي طريقنا تحدثت إليه، واستفسرت منه عن أسباب لجوئه إلى هذا العمل بعدما قال لي بأنه يعمل في مؤسسة عمومية، “لكي يعاونوا روحوهم” بهذه العبارة، وبعد دردشة دامت بضع دقائق وجدت نفسي أمام مدخل الفندق، وفي اللحظات التي تعطلت فيها لإخراج دينارين أو جنيهين، قال لي: “إن لم يكن لديك فالسماح، وإلى موعد آخر” لكنني طلبت منه أن لا يغادر ووجدت في الأخير ما كنت أبحث عنه في جيب سروالي الخلفي.
- جالية جزائرية قليلة..!
- ضيق الوقت والتزامنا بالمهنة الصحفية التي جئت من أجلها بإرسال المادة الإعلامية في أسرع وقت بعدما تغير برنامجي، عندما أخبرنا في الفندق بأن شبكة الأنترنت معطلة، وهو ما جعلني أتنقل في كل يوم إلى مقهى الأنترنت بشارع العقيبة الذي يبعد بـ3كلم عن الفندق، وهذا لإرسال الصور والمادة المكتوبة ببرنامج “الوورد”، بعدما وجدت بأنه الأنسب في هذه العملية، وهي كلها تعطلات لم تسمح لي باستغلال وقت كاف لزيارة مقاهي لبدة وبولينة والتوانسة، وهي الأماكن التي دلني عليها شعيب الذي التقيت به عندما زار المدرب فؤاد بوعلي فريق شباب باتنة بالفندق، والمنحدر من ولاية تلمسان، وهو يعيش في بنغازي منذ ثلاثين سنة رفقة عائلته وأبنائه، وقال لي عندما سألته عن وجود جزائريين بهذه الولاية فرد علي بأن هذه المقاهي هي معقل الجزائريين في الفترة المسائية، فما كان علي سوى انتظار المساء حتى أتوجه إلى هذه المقاهي، لكن قبل خروجي من الفندق سألت ناصر الذي يشتغل في الاستقبال عن قرب المكان، فقال لي بأنه ليس بالبعيد وبإمكاني المشي على الأقدام، حتى أصل إلى ميدان الشجرة الذي تحيط به المقاهي الثلاثة المذكورة سابقا، ففضلت السير، وعندما وصلت إلى مقهى لبدة، قال لي صاحب المقهى بأن الجزائريين يقفون في الغالب خارج مقهى التوانسة، بعدها التقيت بمحمد من بلعباس، وعمي السعيد من باتنة، وكمال من تبسة، وآخر مغربي استأذن منا وغادر المكان، وبعد أن شربنا كؤوس قهوة، أخذ عمي السعيد صاحب الخامسة والستين عاما، يعبر عن عدم اقتناعه بسكان بنغازي وبتصرفاتهم معه، حيث وجدهم مخالفين تماما للشعب الجزائري الذي يرى بأنه أحسن شعب في العالم، وهو الذي قدم إلى ليبيا للعمل فيها كدهان للمنازل، لكنه وجد في ذلك صعوبة في الفوز بصفقة في هذا الإطار، وقرر العودة إلى الجزائر في الشهر القادم، بعدما ضاقت به السبل، لكن كلام محمد من بلعباس صاحب السابعة والأربعين عاما، كان عكس كلام عمي السعيد، فهو يعمل في الزخرفة المعمارية وفي البناء، وهو في عامه الرابع بليبيا بعدما قضى سنتين بمدينة الكفرة وخمسة أشهر بطرابلس، لكنه وجد ضالته في بنغازي، وهو يشتغل عند مقاول مصري له شريك ليبي، مهمته جلب المشاريع وقد يصل دخله اليومي إلى 30 دينارا ليبيا، أي ما يعادل 2200 دينار جزائري، وهوما يراه بأنه كاف له لإرسال ما يريد لابنته ماريا التي اشتاق إليها كثيرا، أما كمال القادم من ولاية تبسة فهو يعمل في مطعم تركي، مهمته تحضير عصائر الفواكه المختلفة من الساعة العاشرة صباحا إلى منتصف الليل، مع حصوله في نهاية اليوم على ثلاثين دينارا ليبيا واستفادته من بعض ساعات الراحة، وقال كمال بأنه لم يزر عائلته منذ سنة ونصف، وهو يطمئن عليهم بالمكالمات الهاتفية التي يجريها تقريبا يوميا، وهو مرتاح في عمله الجديد الذي تحصل عليه بمساعدة من شاب تونسي.
- صراع كروي وجماهيري بين الأهلي والنصر
- مثل بقية مدن العالم التي تعشق كرة القدم والتي توجد بها حساسية بين جماهير بعض أنديتها، خاصة منها المدن التي تضم ناديين كبيرين، توجد مدينة ينغازي على هذا الخط، فهي التي تضم خمسة أندية، يلعبون في الدرجة الأولى، منهم اثنان يتقاسمان الشعبية الكروية، مع أفضلية لنادي الأهلي على حساب نادي النصر. فهذا عصام، صاحب محل بيع أشرطة وأقراص الغناء المختلفة، يشجع الأهلي ويرى بأنه من أفضل الأندية في ليبيا، لكنه يتعرض في كل موسم إلى التهميش من اتحادية هذه الرياضة ومن المسؤولين عليها، وينظر للنصر على أنه الفريق العدو الذي لم يفز عليهم في الداربيات المحلية سوى في ثلاث عشرة مرة، في حين فاز الأهلي بـسبع وثلاثين مواجهة منذ تأسيس الناديين، لكن نور، المناصر الوفي للنصر، ينظر إلى الأهلي على أنه الفريق العادي الذي يملك أموالا ضخمة، لكن سجله ليس بحجم تلك الأموال التي بحوزة إدارته، وعن الكرة الجزائرية وكيف ينظر إليها، فلقد أجابنا عصام ونور على أن الشيخ سعدان يعد أفضل مدرب عرفته المنتخبات العربية، فهو الذي أتى بزياني الذي يرون بأنه مارادونا الصغير، لما يتمتع به إمكانات فنية ونضج تكتيكي كبير، وهي نفس الملاحظة عن مدافع النادي الإسكتلندي رانجرس مجيد بوڤرة، الذي يعتقدون بأن مكانته هي في أكبر الأندية الإيطالية أوالإنجليزية أو الإسبانية بعدما شاهدوا ذلك جليا في كأس العالم بجنوب إفريقيا.
- مدينة مهمشة ومواهب كسرت أحلامها
- أكد عدد من سكان مدينة بنغازي لصحفي الشروق اليومي العائد مؤخرا من هذه المدينة الليبية بأن الأسباب الحقيقية التي جعلت البعض يتجه إلى ميدان الشجرة الذي يتوسط هذه المدينة للتعبير عن رأيه هو محاولة إرسال رسالة واضحة وغير مشفرة إلى العقيد القذافي للاهتمام أكثر بمشاكلهم اليومية، خاصة وأنهم يعتبرون أنفسهم في الدرجة الثانية مقارنة بأهل العاصمة طرابلس، نظرا للتهميش الذي يطالهم من قبل من هم على مستوى العاصمة التي تعطى لها الأفضلية في مجالات الاستثمار، وقال ناصر، أحد سكان هذه المدينة بأن سكان بنغازي يعتبرون أنفسهم فعلا في الصف الثاني في كل الجوانب الاجتماعية والرياضية والثقافية، لأن الجهوية – حسبه – زرعت وجعلت سكان طرابلس ينظرون إليهم على أنهم سكان الريف، ولا يحق لهم أن يطمعوا في التنمية والاستثمارات التي ستسمح لهم بالحصول على مناصب شغل. أما محمد، الذي يشتغل في محطة خدمات للبنزين بالقرب من شارع عشرين، يرى بأن الأسباب هي نفسها التي ذكرها ناصر، لأنه يرى بأن مدينة بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية، لم تأخذ نصيبها من التنمية والسياحة رغم أنها تتوفر على مناطق أثرية ومساحات جذابة للسياح، إلا أنها بقيت على التماس ولم تعط لها الأهمية وبالخصوص في هذا المجال بوجود فنادق ليست بالحجم وعدد النجوم التي توجد في العاصمة طرابلس، مع أن السياح يفضلون المجيء إلى هذه المدينة وما جاورها من المناطق، التي تجمع بين زرقة البحر والطبيعة الصحراوية، أما عماد، الذي يعمل في مؤسسة تجارية فهو يرى بأن القروض التي سارعت الحكومة إلى منحها والتي تصل قيمتها إلى ما يعادل نصف مليار سنتيم بالعملة الجزائرية وبدون فوائد، ماهي إلا أسلوب لإسكات مواطني هذه الولاية وبقية الولايات الأخرى، وهذا في مجال التشغيل والفلاحة ومختلف المجالات، وهذا تفاديا لتصاعد حدة الاحتجاجات التي ستؤثر حتما في مصالح العصابات التي تحيط بالرئيس معمر القذافي، وأضاف أحد الإعلاميين الرياضيين الذي فضل عدم ذكر اسمه خوفا من تعرضه إلى أي مكروه، وهو أبو عائلة مكونة من أربعة أفراد، بأن منح النادي الأكثر شعبية في هذه المدينة نادي النصر الليبي قطعة أرضية بـ32هكتار لبناء ملعب ومدينة رياضية خاصة به، وكذا منح نادي أهلي بنغازي قطعة أخرى بـ100هكتار، لبناء ملعب خاص به، من طرف نجل الرئيس، ماهي سوى التفاتة متأخرة لتهدئة النفوس بعدما مل أنصار ومسيرو الناديين الذين ظلوا لسنوات ينتظرون ويلحون على هذا المطلب، بعدما أحسوا هم أيضا بأنهم مهمشون، خاصة أن كل اهتمام المسؤولين على الرياضة بمن فيهم نجل الرئيس محمد القذافي، كان موجها إلى نوادي العاصمة، على غرار الأهلي الطرابلسي والاتحاد، وهو ما جعل كرة القدم في نظره تتأخر لسنوات، خاصة عند المنتخبات التي قتلت طموحات مواهبها سياسة الجهوية.