الشروق العربي

طردُ الآباء أولادَهم من المنزل.. أهلا بكم في عالم الجنوح والجريمة

ليلى حفيظ
  • 10449
  • 0

لطالما دقّ المختصون ناقوس الخطر حول ظاهرة هروب وخروج الأطفال والمراهقين من منازلهم. ولكن الأسوأ ألا يكون ذلك الخروج هروبا، بقدر ما يكون طردا من المنزل. فالكثير من الآباء للأسف صاروا يطردون أولادهم إلى الشارع، كوسيلة عقاب تأديبية جاهلين أو ضاربين بعرض الحائط ما قد ينجر عن إخراجهم من حِمى أسوار ودفء العائلة إلى عالم خطر لا يرحم، الذي سيفتح لهم بالتأكيد أبوابالجنوح والجريمة على مصراعيها.

هذا جناه عليّ أبي

لقد ذُهلت ودُهشت كغيري من المشاهدين من مقدار الوقاحة التي راحت تخاطب بها شابة استدعت والدتها لحصة “اللي فات مات”، على قناة الشروق العامة، لا لشيء إلا لتُخطرها بأنها سوف لن تسامحها أبدا لكونها طردتها حينما كانت قاصرا للشارع، أين تعرضت للاغتصاب وشتى أنواع الذل والظلم والقهر. والواقع، أن العدل في الحكم يستدعي منا ألا نُعفي الأم من غلطتها التي كلفت ابنتها كثيرا والمتمثلة في طردها من المنزل، الذي بات للأسف أسلوبا عقابيا ينتهجه العديد من الأولياء لتأديب أولادهم، متغافلين عما قد ينجر عنه من مخاطر. فرغم مرور عقود من الزمان، إلا أن السيدة غنية مازلت تحذر كل المحيطين بها من انتهاج مثل ذلك السلوك العقابي، مثلما فعله زوجها ذات مرة بطرده ابنه المراهق للشارع حينما أصر على ترك مقاعد الدراسة، ظنا منه أن ذلك سيُثنيه عن قراره، ولكن الذي حدث هو أن جماعة إرهابية تلقفت ذلك القاصر سريعا لينظم إليها، ويستدرج أخاه الأصغر إليها لاحقا، ما أدخل العائلة كلها في دوامة من المعاناة انتهت بالقضاء على الابنين.”

اطرد ابنك إلى الشارع يحتضنه المجرمون

يتأسف السيد عزيز ديال، الأمين الوطني المكلف بالإعلام والاتصال بالودادية الجزائرية لمكافحة الآفات الاجتماعية على “تنامي ظاهرة طرد الأبناء للشارع في الأعوام الأخيرة، بسبب عقوقهم أو جنوحهم وعصبية الآباء الذين أصبحوا لا يستوعبون أولادهم، بالنظر لما ينجم عنها من آفات اجتماعية كثيرة، كتعاطي الابن المطرود للمخدرات، السرقة، الشذوذ، الدعارة، الإتجار بالأشخاص، ولقد تدخلت الودادية لانتشال الكثير من هؤلاء الأطفال المطرودين من منازلهم بعد تلقينا لإخطارات حولهم من بعض المواطنين، ولكن للأسف وجدنا أكثريتهم قد تلقفتهم يد الإجرام والانحراف، بدليل أن منهم من أصبحوا وسيلة عبور للمخدرات أو أدمنوها، ومنهم من تم الاعتداء عليهم، أو تعلموا السرقة والتسول وشتى أنواع الجريمة، بعد أن استدرجتهم عصابات إجرامية. ولكننا نجحنا في إعادة بعضهم لذويهم ولمنازلهم، في حين إننا أخذنا بعضهم لمراكز الرعاية بالتنسيق مع المفوضية الوطنية لحماية الطفولة.”

التغذية العلاجية والاحتواء بدل الطرد

يستنكر الأستاذ عبد الرشيد بوبكري، إمام خطيب بمسجد الغزالة بحيدرة، طرد الابن في سن المراهقة أو ما قبل البلوغ من المنزل، ويُشدّد على أنه: “ليس من أساليب التربية السليمة، لأنه سوف يؤدي به للانحراف الكلي فتصعب علينا إعادته للطريق القويم، لأن الشارع لا يرحم وفيه الكثير من المتربصين من ذوي الأخلاق السيئة. فالابن إذا كان عنيدا أو عصبيا أو عاصيا لوالديه أو يتجاوز القواعد والقوانين المنزلية المفروضة، فليس من المفروض أن ندفعه إلى أخطر وأسوإ مما هو عليه داخل المنزل، لأننا بطرده للخارج، فإننا ندفعه لأصدقاء السوء، ما يجعله فريسة سهلة للعصابات الاجرامية. وهذا ما ينعكس بالسلب عليه وعلى أهله وعلى المجتمع ككل. ولهذا لا يجوز شرعا طرد الابن الذكر دون سن الرشد من البيت. وفي اعتقادي، أنه حتى ببلوغه سن التكليف الشرعي وما فوقها فإنني لا أؤيد فكرة اللجوء لطرده للشارع، لأن الأسرة أولى بأولادها مهما أذنبوا. أما بالنسبة للبنت، فإنه لا يجوز في المطلق للأب أو الأخ طردها من المنزل، وهو مسؤول عن رعايتها والانفاق عليها إلى أن تتزوج.”

وبالتالي، على الأولياء، يضيف الأستاذ بوبكري، مدرب في التطوير الذاتي: “أن يتعلموا استراتيجيات التربية الذكية واحتواء أبنائهم بالحوار والنقاش، التوصية والطمأنة، أو إدخال طرف ثالث للإصلاح بينهم إن استدعت الأمور ذلك. وأن يحرصوا عل الانصات لهم، لأن من عناصر التواصل الفعال والمثمر ما يسمى بالتغذية الراجعة، فبقدر ما تُنصت لابنك وتتواصل معه بقدر ما يعود عليك ذلك بردود فعل إيجابية.”

القانون يعاقب من يعرض صحة وأخلاق أولاده للخطر

ومن الناحية القانونية، فإن المُشرّع الجزائري، كما يوضح الأستاذ أبو بكر بن يحي، رئيس قسم الحقوق بجامعة زيان عاشور بالجلفة: “يحمي الطفل من والديه ومن غيرهم. ورغم أنه لم يُشر صراحة إلى عقوبة طرد الأولاد من المنزل خاصة من هم دون 18سنة، إلا أن المسألة قياسية واشتمل عليها قانون (15-12) الذي يحمي الطفل من تعريضه للخطر أو الإهمال والتشرد، إضافة لنص المادة 330 من قانون العقوبات في فقرتها الثالثة، التي يعاقب بموجبها بالحبس من سنتين فأكثر وبغرامة مالية من 2500دج إلى 100000دج، أحد الوالدين الذي يعرض صحة أولاده أو أمنهم أو خلقهم لخطر جسيم. وبالتالي، فالمسألة ترجع إلى تقدير قاضي الأحداث.”

مقالات ذات صلة