الشروق العربي
الوزيرة السابقة للتربية "زهور ونيسي" لـ"الشروق العربي":

طلقت السياسة وأنا اتمتع الآن بالكتابة

الشروق أونلاين
  • 5609
  • 7

تدرج حديثنا مع المرأة السبعينية بطريقة سلسة وكأنها الثلاثينية التي تتكلم فتصيب. في ضيافة السيدة “زهور ونيسي” تنوع حديثنا حول النضال والجهاد عشية الذكرى الستين للثورة النوفمبرية العظيمة، والثقافة والكتابة والسينما ونحن على مرمى إنطلاق تظاهرة “قسنطينة عاصمة للثقافة العربية”، تنوعت أيضا مطارحه، فبين غرفة وشّحتها بأناقة كثير من التحف والتكريمات والصور والتذكارات، أخذتنا الخطوات إلى مكتبة مرصوصة تفوح منها رائحة العلم، وعناوين اكتظت بها الرفوف، فهذه كتب القانون والإجراءات القانونية لكيفية استيلاء الفرنسيين على الأراضي الجزائرية، إلى كتب الفلسفة والأدب والتفاسير والمعاجم فالمجلات والدوريات، ثم هذه غرفة أخرى لطقوس الكتابة والبوح، تأهبت ومن حولها أشرطة موسيقية وتسجيلات غنائية سلطانها المالوف القسنطيني، الذي لا يغادرها لحظة كما قسنطينة مرجعها وفخرها وسلواها.

طلقت السياسة والآن أتمتع بالكتابة

لا تكف البنت الوسطى لـ”آل ونيسي” عن الكتابة، فهي لا تكتب فقط حتى يقرأ الآخرون، بل إنها تكتب لتمتع نفسها، لأن الكتابة هي ذلك الفضاء الرحب وهذا الأفق الواسع الذي لا تحده لا عراقيل ولا مطبات، بل إنه شعورها بالحرية. تكتب بتكوينها عن قناعاتها وبما تحس به. وهي تعكف الآن على كتابة نص روائي ضمنته أفكارا ناتجة عن لحظات إنسانية كثيرة، حولها وحول رفيق دربها، وأيضا حول أناس محيطين بها، تجمعها معهم التعاملات الإنسانية، أو جمعتها بهم وسائل كالتلفزيون أو الهاتف… الرواية القادمة ستحمل البعد الفلسفي، إذ تعد نصا فيه من التفكير أكثر من السرد.

ولأنها تغلق كتاباتها بعد ما تنقطع عنها مدة من الزمن، تصلها بنفس آخر، إنها عين القارئ الناقد التي تضيف وتنقص.. ولما تكمله وتستوعبه استيعابا كاملا تخرج في الأخير بنتيجة هي: ما هي العوامل المؤثرة أكثر في النص؟ وما هي الأهداف  منها لتضع عدة عناوين، ثم تجتمع العائلة وينتقي كل واحد عنوانا مناسبا، كانت تلكم طقوس الكاتبة زهور ونيسي التي جمّلت مكتباتنا بالعديد من الأعمال المشوقة على غرار: الرصيف النائم، جسر للبوح وآخر للحنين… وعن الكتابة بقينا نتحدث، ولأن ما تقدمه شيء مهم يجب تقديمه للأجيال القادمة كما يستحق، كشفت لنا “أن التلفزيون الجزائري تبنى عملها حول ابن باديس وهو بصدد الإعداد له فنيا حتى يكون حاضرا في إطار قسنطينة عاصمة للثقافة العربية لسنة 2015”. كما تبنت وزارة الثقافة مؤلفها “كاليدونيا النفي بلا رجعة” الذي فرغت منه منذ 10 سنوات.

الاستثمار في الإنسان سينجح قسنطينة عاصمة للثقافة العربية

تحدثت القسنطينية القحة ابنة “السويقة” والتي كبرت في القصبة العليا “سيدي الجليس” وكانت وأهلها من جيران العلامة عبد الحميد بن باديس. عن “سيرتا” الشامخة التي ستبقى وفية لها، تحجّ لأحيائها العتيقة أينما شدّها الحنين والبوح. “أم هشام” عادت للتظاهرة قسنطينة عاصمة للثقافة العربية واعتبرت هذه الفعالية ستضع الأسس لفاعليات ثقافية قارة وتنشط على مدار السنوات القادمة، خاصة أننا عملنا على إرساء هياكل ومنشآت ومجمعات ثقافية في المدينة، وتمنت المتحدثة أن نتجاوز  الفعل الثقافي المناسباتي ونستفيد من كل الهياكل المنشأة. وأوضحت أنه يجب الاستثمار في الإنسان، لأنه هو من يجعل من التظاهرات الثقافية مناسباتية، الإنسان هو من يبني وهو من يهدم.

يجب أن نكتب تاريخنا بشقيه الإيجابي والسلبي

عشية الاحتفاء بالذكرى الستين، قلبّت المجاهدة المناضلة “زهور ونيسي” أوراقا نوفمبرية، وقالت: ثورة نوفمبر هي ثورة إنسانية وحيدة في هذا العصر، هي ثورة اجتماعية، سياسية، ثورة أخلاقية.. وعندما نقول الثورة، نقول الشباب، وقضية الانتماء للوطن كانت كل شيء بالنسبة للشباب في ذلك الوقت. الذكرى الستون هي فخر واعتزاز، لأننا لم نكن نحلم أن نعيش حتى الاستقلال، والحمد لله عشنا لما بعد ذلك، لنا الشرف أننا من ذلك الجيل، وأنه يكون مضطرا للمساهمة شاء أم أبى، لأننا لم نكن مخيّرين كشباب صغار، وفيما بعد أصبح تنافسا كبيرا لأجل العمل، وأنا كنت من بين المحظوظات، لأنني لم أسجن ولم أقبع في السجن وهناك من سجن وحين خرج أكمل المسيرة معنا على غرار “فاطمة زكال” التي خرجت من السجن سنة 1957. هذه الذكرى هي بالنسبة لي شعورك بأن لك جذورا في هذه الأرض من صانعي هذه الأمة، من المسترديّن لسيادة هذا الشعب هو شعور نبيل. وشددّت المتحدثة أن على الجيل الجديد أن يفتخر بهذه الثورة، وأن يجدد انتمائه بالعمل، لأن الكفاح أنواع بالدراسة والعمل والبناء وأن يعيش عصره وحداثته، وأن يعيش كل هذه التغيرات، ولكن أن يحافظ على الكم الهائل من التراث الحضاري والحداثة ليست قطيعة مع الماضي ومع ما عاشه. بالعودة لكتابة التاريخ، أكدت المتحدثة على ضرورة تنمية الوعي لدى الأجيال القادمة، هذه المسؤولية التي تقع على عاتق المجتمع المدني بكل أطيافه من أحزاب وجمعيات ومنظومة تربوية. كما أوضحت “ونيسي” أنه يجب كتابة تاريخ الجزائر بكل أمانة، ويجب كتابة كل ما في هذه الثورة من سلبيات وإيجابيات وانتصارات وانهزامات وأخطاء وصراعات بين الأشخاص وبين الكتل، وهو شيء طبيعي في كل الثورات، مثلا الثورات الفرنسية كانت تنتهي غالبا بالإعدامات، يجب أن نكتب تاريخنا عن طريق الشهادات بالبحث عن المجاهدين في كل ربوع القطر الجزائري، بدون أي مبالغة وأن نتحرى الموضوعية. وزارة المجاهدين يجب أن تبحث عن هؤلاء وليس فقط المعروفين منهم كزهور ونيسي وجميلة بوباشة وجميلة بوحيرد و… خاصة إذا علمنا أن المرأة في الريف ضحت أكثر من المرأة في المدينة ولم تأخذ أي شيء مقابل ذلك، في الوقت الذي أخذت فيه المرأة هنا في المدينة كل شيء.

البلدان العربية اليوم فُعل فيها  !!

أما عن نقطة ظهور الكثير من الشهادات بخصوص الخلافات والصراعات حول الزعامة، ردت المتحدثة: الاختلاف رحمة، فيه صراعات وخلافات، لكن لأجل الجزائر، لأجل الاستقلال، لا أحد يمكنه أن يلوم الآخر على طموحه. هناك من كان يسعى لنيل رتبة قائد، بينما الآخر كان يكتفي بكونه جنديا عاديا. نحن بشر، وثورة نوفمبر ثورة إنسانية لم تصنعها الملائكة، صنعها البشر بكل تناقضات النفس البشرية. عظمتها تكمن في أن من صنعها هم البشر، لا يجب أن نضع نموذجا أسطوريا. نحن نحتفل بالذكرى الستين ومن أوكد الواجبات أن نضع جنبا كل الخلافات الاجتماعية والسياسية والإقتصادية، ونلتف حول الثورة، فهي الجامع المشترك بين الجزائريين وهي التي ستحمينا من هذا الطوفان والإعصار القادم إلينا من الدول العربية، مع العلم أنهم ليس لهم أي دخل مما يحدث في بلادهم. للأسف هم ُفعل فيهم، وجدهم الغرب أقل ذكاء وأكثر غباوة، وأكثر التصاقا بالقبلية والعصبية والرجعية. فاستغل الفرصة وفعل فعلته، هو صنع القاعدة وصنع داعش. يجب أن نتكتل من جديد، لأن بلادنا في حاجة لهذا التكتل والتوحد، والرهانات كثيرة ومفتوحة على كل الحدود، وبت أخاف حين أقول الوحدة الوطنية مهددة، هناك خطوط حمراء لا يجب تجاوزها منها الثورة التحريرية.

السينما الجزائرية تريد إرضاء ما وراء البحر

عادت جدة “رياض” و”هناء” لتقول أن السينما هي عامل مهم لتأريخ الثورة، ولو أني أفضل الكتاب وأعتز بالقاعدة التاريخية الموجودة عندنا وهي كتاب “تاريخ الجزائر الثقافي للحركة الوطنية” لـ”أبو القاسم سعد الله”، وهي بناء وأسس للكتابة التاريخية. أما بالنسبة للسينما كنا أنشط في بداية الإستقلال، وأكثر وعيا في هذا المجال. والدليل أننا حزنا الكثير من الجوائز، واليوم فيه من يعمل بنفس الوعي والإنتماء، وفيه من يحاول أن يرضي الطرفين هنا، والطرف الآخر وراء البحر، خاصة أن هناك علاقات. كما كشفت أنها تتابع جديد السينما الجزائرية، متسائلة: لماذا هذا الزخم الإعلامي على بعض الأفلام اليوم دون غيرها؟ مثلا “فاطمة نسومر” أو “الوهراني”، يجب أن نضع في اعتباراتنا أن فرنسا لا تكتب تاريخنا.. المدرسة الوطنية هي الوحيدة التي يجب أن تكتب هذا التاريخ. المدرسة الفرنسية تكتب تاريخها في الجزائر وليس تاريخنا، مقرة: مازلنا بعيدين من ناحية السيناريو، ونريد جزائريا يكتب بعنفوان الجزائري.


مقالات ذات صلة