الرأي

طوفان الأقصى معيار الحق في زمن الضبابية

في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تبرز القضية الفلسطينية كمحك حقيقي لصدق المواقف وجوهر الانتماءات. فما جرى في السابع من أكتوبر لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل كان زلزالاً كشف عن طبقات متراكمة من التناقضات والمواقف المتباينة التي ظلت مستترة تحت أقنعة البلاغة السياسية والخطابات الرنانة.

لطالما شكلت المقاومة الفلسطينية معادلة معقدة في المشهد السياسي الإقليمي والدولي، لكن ما حدث أعاد ترتيب الأوراق بشكل جذري، وأجبر الجميع على إظهار حقيقة موقفهم دون مواربة. فقد سقطت الأقنعة عن وجوه كثيرة كانت تدعي الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، بينما كانت في الواقع تمارس لعبة التوازنات على حساب دماء الشعب الفلسطيني وتضحياته.

كشفت الأحداث عن فجوة عميقة بين من يؤمن بالقضية كمشروع تحرر حقيقي متجذر في التاريخ والهوية، وبين من يتعامل معها كورقة مساومة في لعبة المصالح الإقليمية والدولية. برزت المواقف المتخاذلة التي فضلت الصمت أو التبرير، والحاقدة التي رأت في الحدث فرصة للتشفي والهجوم، والمتواطئة التي انحازت صراحة أو ضمناً إلى جانب الظلم تحت مسميات مختلفة كـ”الواقعية السياسية” أو “الحفاظ على الاستقرار”.

إن ما يزعج البعض ويثير حفيظتهم ليس العمل المقاوم في حد ذاته، بل هوية من يقود هذا العمل وخلفيته الفكرية. فالإشكالية الحقيقية تكمن في رفض البعض لأن يكون للتيار الإسلامي الأصيل دور فاعل في تشكيل المستقبل، وهو ما يكشف عن أزمة عميقة في قبول التعددية وفي الإيمان بحق الشعوب في اختيار من يمثلها ويقودها.

وفي خضم هذه الأحداث، تجلت مفارقة كبرى بين نوعين من التدين: تدين حقيقي يترجم إيمانه إلى موقف واضح وتضحية ملموسة، وتدين شكلي مغسول بماء الانهزامية والتطبيع مع الواقع المفروض. كما انكشف زيف ما يسمى بالتمدن الحديث الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان والقيم الإنسانية، لكنه يصمت أو يبرر أمام الظلم الواقع عندما لا يتوافق مع مصالحه ورؤيته الأيديولوجية.

لقد أصبح هذا الحدث الكبير بمثابة بوصلة أخلاقية في عالم فقد معاييره، حيث اختلطت المفاهيم وتشوهت القيم، وحيث أصبحت “العقلانية” في كثير من الأحيان مجرد غطاء للجبن السياسي أو التواطؤ المقنع. ففي زمن يتحدث فيه الجميع عن القيم الإنسانية والعدالة والحرية، يبقى موقف المرء من القضية الفلسطينية ومن حق شعبها في المقاومة هو المعيار الحقيقي لصدق هذه الادعاءات.

إن التاريخ سيذكر هذه اللحظة الفارقة، وسيسجل من وقف مع الحق رغم كل الضغوط، ومن اختار الصمت أو الانحياز للباطل. وستبقى هذه الأحداث شاهداً على أن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع سياسي أو إقليمي، بل هي صراع بين قيمتين متناقضتين: قيمة الحرية والكرامة والحق في مواجهة الاحتلال، وقيمة الخضوع والاستسلام وقبول الأمر الواقع مهما كان ظالماً.

مقالات ذات صلة