ظاهرة “التقرعيج” في مجتمعنا ..حينما تتحول “العورة” إلى “قرعة”
تغيرت الكثير من المفاهيم في مجتمع اليوم، واتخذت العديد من السلوكات أسماء جديدة تتماشى مع التغيرات الحاصلة في المجتمع، غير أن أثارها تبقى سلبية حتى ولو أخذت أشكالا ومصطلحات غير التي كانت عليها بالأمس، وعلى غرار هذا انتشر اليوم بين الناس مصطلح “التقرعيج” الذي هو في الأصل تتبع للعورات من دون علم أهلها، فترى الكثير من الناس يتهامسون فيما بينهم وينادي الواحد منهم الأخر تعال “نعطيك القرعة الأخيرة” باللغة العامية الشائعة، أي بمعنى أقدم لك الجديد، حتى ولو كان هذا على حساب شرف وعرض الآخرين وهو الأصل في هذه “القرعة” في الكثير من الأحيان.
ظاهرة تتبع عورات الناس تطورت إلى لفظ “التقرعيج”
لقد أصبح اليوم همّ الكثير من الناس وللأسف تتبع عورات الغير من دون وجل ولا حياء، اصطنعوا لأنفسهم هذا المصطلح وهو “التقرعيج” من أجل تخفيف شر هذا اللفظ أو السلوك على السمع، وهو فعل منهي عنه شرعا وخلقا، اتخذه الكثير من الناس كمصدر لنقل الأخبار بين الأفراد، والحرص على كل ما هو جديد فيما بينهم سواء الحسن أو السيء منه دون التفريق بينها، وكذا الضار أو النافع دون مراعاة لمشاعر الغير، فلا تخلو أيام العديد منهم من هذا السلوك المنحرف مادام يصل إلى حد الطعن في أعراض وشرف الغير من دون علم، فلم يسلم من هذا الفعل أي شخص سواء الصغير أو الكبير من ذكر أو أنثى، وأصبح عادة سيئة انتشرت بين الناس حتى أصبح الواحد منا ينادي صاحبه تلقائيا “تعالى نعمرلك قرعة جديدة”.
نعم، هي الحقيقة التي وصلها اليوم الكثير من الأشخاص واتخذوا هذا المصطلح من أجل الترويج لمختلف الأخبار والأسرار التي يعيشها الناس، وتحولت عورة الغير قارورة تعمر كما تعمر بالماء، فبدل قول الواحد منا أنا أتتبع عورة غيري فإنه يقول “نقرعج” عليه باللغة العامية، وهو مصطلح أقل ضررا في التعبير من المفردة الأولى وإن كان كل منهما له نفس المعنى، ويصبان في نفس المفهوم حتى وإن اختلفا في رسم الأحرف، لغة جديدة يتخاطب بها الناس في مجتمعنا اليوم، وسلوك قديم متجدد وهو النظر من ثقب المفتاح إلى أسرار الغير، والتنصت من خلف الجدران إلى ما يحدث في بيوت الأهل والجيران، ومن بعدها تسوق وتروج في شكل قارورات على حد تعبيرهم بين مختلف الأشخاص، وما أكثرهم اليوم، من الذين ينتظرون الخوض في شرف الغير وأعراضهم وإدخال التأويلات عليها انطلاقا من تفكيرهم المحدود والخبيث.
كما اتخذها العديد منا أداة ووسيلة للتجسس على عورات الغير من خلال تداول أخبار حياتهم اليومية، بل منهم من أصبح همه الوحيد وتفرغ لها من دون خوف ولا وجل من الله ،تراه يجري بين الناس للنقل وللأخذ في نفس الوقت عن كل ما يحدث سواء أمور صغيرة أو كبيرة، ومن دون التأكد حتى، هل هي أخبار صادقة، أم هي لمجرد المزاح، بل فيهم من يجزم بأغلظ الايمان لتأكيد كل ما ينقله، بالرغم من أنه لم يكن حاضرا في الواقعة ولكن مجرد سامع عنها ونقلها لا غير.
كنا بالأمس نعرف ماعدا القلة القليلة في هذا السلوك وهجرهم الكثير من الناس في المجتمع، فلا يمكن بحال من الأحوال مصاحبة من لا يعرف من الحديث إلا الخوض في شرف غيره من دون استثناء، ولكن للأسف اليوم أصبح الكثير من الناس إلا من رحم ربي، يستهويهم هذا السلوك وأصبح عادة يتربى عليها النشء، لأن مصطلح تتبع العورة أصبح جديدا وخفيف النطق وهو “التقرعيج” في لغتنا العامية، احترفه العديد منا ومن كلا الجنسين سواء من ذكر أو انثى، وأصبح اليوم مصدرا لنشر تفاصيل الحياة اليومية للأشخاص بكل تفاصيلها حتى ولو كانت ضارة لشخصهم.
إن هذا المصطلح الخفيف على السان والنطق، هو وليد العصر الحديث في لفظه الحالي، لكنه مصطلح قديم متجدد، حيث يوضح بعض علماء الاجتماع أن الأصل في هذا المصطلح أنه في القديم كانت تضرب القارورات ببعضها عندما يكون هناك طارئ أي لنقل الأخبار، التي تدعو الناس الى الحيطة والانتظار، ومن هنا انتشر مصطلح سماع الجديد، ومع تطور العصر الحديث انتقل إلى “التقرعيج ” الذي يعني في اللغة العربية جلب كل ما هو جديد، أي تعمر القارورات، لكن مجازا، فبدل أن تعمر بالماء وهو الأصل فإنها تعمر بالأخبار بكل انواعها سواء الحسن أو السيء.
لا نقر أن كل الاخبار المتناقلة بين الناس كلها سيئة، فمنها ما هو جائز مادام الغرض منها الإخبار فحسب من باب المعرفة لا أكثر ولا أقل، لكن للأسف أن هذا المصطلح استغل في أكثر مقامات الحديث لتتبع العورات من دون تمييز فأتى على كل ما هو كائن سواء الصحيح منه أو المفترى من قصد أو من دونه، ونشر كل ما هو ضار بين الأفراد والجماعات، بل أننا نشاهد ونسمع في الكثير من الأحيان العديد من الأفراد في الشوارع والطرقات يتداولون هذا المصطلح، بل أكثر من هذا وصلت حمى هذا اللفظ حتى إلى المناوشات بين النساء والجارات فتسمع الواحدة منهما تردد “علا ش راكي تقرعجي عليا” يعني لماذا أنت مهتمة لأمري أو لماذا تتبعين عورتي في اللغة العربية، وهذا يعكس أن هذا المصطلح انطبق أصلا على الأشياء السيئة أو الخادشة للكرامة والشرف عند العديد من الأفراد.
إن هذا الخلق يوحي بحق إلى ما آل اليه البناء الاجتماعي الخلقي عندنا، فعندما يصبح الشر من الفعل مسكوت عنه داخل هذا المجتمع فكبر عليه، والغريب وما يحز في النفس أن مثل هذه الأفعال والأقوال تنتشر بسرعة بين أوساط المجتمع وبين الأفراد، حتى وإن كانت وسيلة لكشف أسرار الغير والتطلع على عوراتها من خلال هذا الذي أصبح يعرف اليوم “بالتقرعيح”، وقد كان من الواجب النهي عنه والإسراع إلى الحد منه بكل الطرق، فهو يأكل الشرف وكرامة الأفراد كما تأكل النار الحطب، ويوقع العداوة والبغضاء حتى بين أقرب الأشخاص إلى بعضهم، ولقي الانتشار في مجتمعنا بسبب اتخاذه وسيلة للتجسس على كل من هو آت أو ذاهب من ذكر أو أنثى دون استثناء.
فما بال قوم تحولت عندهم “العورة” إلى “قرعة “، فشتان بين هذا وذاك، همهم الخوض في أعراض الغير ونشر حتى الأمور الحميمية من غير رادع معنوي ولا ضمير محاسب، المهم عندهم هو جلب الجديد من الأخبار في كل يوم، وتداوله بينهم كل على هواه، وهكذا هي أيامهم تمر، لكنها تتشابه في أفعالهم، وأي أفعال، فما لهم من الاستعدادات إلا الحديث ماعدا على حرمات الغير وأعراضهم لا أقل ولا أكثر.