الجزائر
مظاهر التفاخر تغزو عالم الجنائز

عائلات تتباهى باقتناء الأكفان المستوردة لموتاها

الشروق أونلاين
  • 16380
  • 24
ح.م
تفاخر ...حتى في الأكفان

تحولت المراسيم الجنائزية وحفلات العزاء عند العديد من العائلات الجزائرية الثرية والميسورة الحال على حد سواء، الى مناسبات للتباهي والتفاخر بثرائهم بدءا من الصابون باهظ الثمن الذي يُجلب خصيصا لتغسيل الميت، ثم العطور الباريسية الفاخرة التي يُرش بها الى نوعية الكفن المصنوع من قماش فاخر، لينظم حفل العزاء وفقاً لمعايير وترتيبات محكمة إلى درجة يخال فيها المعزون أن الموت لم تأتِهم بغتة بل رتبوا لها موعدا. وليس من المستبعد أن تتلقى بطاقات دعوة لحضور جنازة أو تشييع جثمان أحدهم.

 

لم تعد الموضة ومظاهر التطور حكرا على عالم الأحياء فقط، بل تطورت لتشمل عالم الموتى أيضا والذين أصبحوا يحظون بأكفان مصنوعة من أقمشة فاخرة فخمة وحتى أن بعضها مزيّن بإكسسوارات، ويتم رشهم بعطور باريسية فاخرة كـ”ديور”و “شانيل” و”ايف روشي”، مع الحرص على انتقاء أقراص صلبة “سيديهات” لمقرئين معروفين ومشهورين في الدول العربية وفي مقدمتهم الشيخ الغامدي، السديس، المعيقلي، العفاسي… بالإضافة الى تنظيم حفل عزاء تزيَّن فيه الموائد بأنواع مختلفة من الأكلات الشهية وحتى التحلية موجودة، متناسين أن الميت في العالم الآخر لا يحتاج إلى أكفان مرصعة بالمجوهرات أو سفرات طويلة بل هو بحاجة فقط لأعماله الصالحة ودعاء المحيطين به، فجميع الطقوس التي يقومون بها لا تغني عنه شيئاً. 

كانت دردشة سمعناها بمحض الصدفة بين شاب رفقة قريـبيه في ساحة الشهداء قدما لاقتناء كفن لزوجة عمه لكنه تفاجأ بارتفاع أسعارها، هي الدافع لإجراء الروبورتاج، وهو ما شجعنا للاقتراب منه حيث رد “كل شيء أصبح يباع غالياً، لم يتركوا الأحياء يعيشون بسلام ولا حتى الموتى، تصوري أن الكفن العادي يباع ب 3 آلاف دينار مصنوع من قماش ردئ، وهناك أنواع فاخرة تباع بـ 6 و7 آلاف دينار وتصل إلى حد 10 آلاف دينار مزيّنة وكأن الموتى مدعوون لعرس في العالم الآخر”.    

 

أكفان بسراويل وعمامات  

توجهنا مباشرة الى المحل الذي دلنا عليه الشاب، وبمجرد أن ولجناه استفسرنا عن الأكفان فرد العامل بالمحل أن هناك أنواعاً عديدة مصنوعة من القماش الأبيض العادي، تتكون من 3 قطع يبلغ سعرُها 3 آلاف دينار وهي عادة يتم اقتناؤُها من قبل العامة والفقراء، أما الأنواع الأخرى الموجودة في علب يتم استيرادها من السعودية ودبي وتحمل علامات ماركات شهيرة كـ “أكفان الحرمين، الهدى”… وغيرها من الماركات الخليجية المعروفة، وتختلف أسعارها باختلاف عدد القطع فهناك المكونة من 3 قطع وأخرى من 5 قطع وتحتوي على القفازات والسروال والعمامة بالنسبة للرجال وأخرى مخصصة للنساء. كما تحدد أسعارها على حسب نوعية القماش المستعملة فيه، وهو ما يعكس بياض ونقاء البعض منها لأنها مصنوعة من خامات   طبيعية يتم جلبها خصيصا من الهند والصين لتحاك منها الأكفان، وأضاف محدثنا أن هناك صنفاً آخر تُستعمل الأحجارُ الكريمة وبعض الإكسسوارات لمسكه بدل وضع عقدة فيه، ولكن هذه الأنواع لا تلقى رواجا كبيرا فالأغلبية الساحقة يفضلون الكفن العادي البسيط .

والى جانب الأكفان كان المحل يعرض مجموعة من “السيديهات” لمقرئين معروفين، وعطورا خليجية وأنواعا من المسك الراقي في علب جميلة يتراوح سعرها مابين 500 و1000 دج، وذكر لنا العامل أنها جلبت جميعا من السعودية وهم يسعون لمساعدة عائلات الموتى في تكريم ذويهم بتوفير كل المستلزمات بأسعار وأنواع مختلفة.

 

إمام: لا للمغالاة والتفاضل في الأكفان

إلى ذلك، أوضح “نسيم بوعافية” إمام مسجد فرجيوة بولاية ميلة، أن المجتمع الجزائري أصبح يميل مؤخرا للمظاهر ولا يولي أهمية كبرى للجوهر وهو ما دفعهم لإهمال الأصل وإتباع الفروع، مما قد يوقعهم في شراك المحظور، مستطردا أن الأصل في الكفن هو كل ما ستر الجسد ويستحب أن يكون لونه أبيض واللون ليس اجباريا كما يعتقد الجميع، فالكثير من الصحابة لم يُكفنوا ومنهم من تم تكيفنهم بازارات لم تستر كل الجسد.

وأكد الإمام أن عدد قطع الكفن لازالت تثير جدلا واختلافا كبيرا بين علماء الدين، إلا أنهم اتفقوا على أنه يجب أن يكون عدده وترا أي 1 أو 3 أو 5 وهو ما أجازه المذهب المالكي المعمول به في الجزائر، فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كفن بعض أهل بيته في 5 أثواب. إلا أن الإمام شدد على ضرورة عدم المغالاة والتفاضل في الأكفان والتفاخر بنوعية القماش وما يزينه من إكسسوارات، فهو أمرٌ مكروه وبعيد عن صفات المسلم وغير مستحب له وقد يؤدي الى الحرام، خاصة اذا كان الميت قد أوصى  قبل وفاته بدفنه بماركة معينة من الأكفان أو استعمال نوع معين من العطور الفاخرة فسيقع عليه الوزر أو على أقاربه الأحياء الذين قاموا بذلك. ليواصل الإمام “بوعافية” قائلا: الأفضلية تكون بالعمل الصالح، فالملابس التي تمنح الفرد مكانة في الحياة الدنيا لا تعطيه اياها في الآخرة، فالخلق جميعا سيُبعثون حفاة عراة غُرْلاً يوم القيامة ولن تغني عنهم الأكفان شيئا، وأول من سيكسوه الله يومها هو ابراهيم الخليل لذا يجب الاشتغال بالأعمال الصالحة فقط.

 

 لتذكر الموت والاستعداد له

مواطنون يشترون أكفانهم بأيديهم ويكتبون وصاياهم

كفن وكافور، ووصية ميت لم يمت، ذلك هو السر الذي يخفيه بعض الجزائريين عن ذويهم في أماكن بعيدة عن الانظار ولا يسّر به إلا لأٌقرب المقربين استعدادا للموت الذي قد يباغت صاحبه في أي لحظة أو يمهله بعض الوقت عندما يتعلق الأمر بمرض خطير، وحجتهم في ذلك تحري الحلال في اشتراء آخر قطعة قماش يخرج بها الانسان من الدنيا، أو تذكير بالموت كلما نصبت ملذات الحياة خيامها في قلبه.

هي حالات قليلة لجزائريين كبار في السن وشباب ملتزم استوقفتنا من خلال بعض محلات القماش واللباس الشرعي التي تختص أيضا ببيع الكفن ومستلزماته، تعبر عن مدى استعدادهم للموت وتقبله له برضا و… في الوقت الذي يقبل فيه أكثر الناس على الحياة بنهم وشراهة.

 

تحري الحلال في اشتراء الكفن

البداية كانت مع محلات “بني مزاب” بسطيف التي تبيع إلى جانب أنواع مختلفة من الأقمشة والالبسة الجاهزة الخاصة بالعرائس، الكفن أو “السترة”  وما يتبعه من “حنوط”، وهي عبارة عن 7 مواد تستعمل في تجهيز الميت بعد تغسيله، منها الكافور والحناء والزعفران، هذه المحلات كانت قبل أن تنتشر محلات أخرى لبيع اللباس الشرعي الخاص بالنساء والرجال والتي تعود لشباب ملتزم، كانت الوجهة الوحيدة لمن مات له قريب، ولكنها في الآونة الأخيرة أصبحت وجهة أيضا لأشخاص مازالوا على قيد الحياة ويتمتعون بصحة جيدة، هؤلاء الأشخاص يقول عنهم السيد صالح فخّار، وهو صاحب محل لبيع الأقمشة والكفن أنهم يتمتعون بالشجاعة الكافية لاشتراء أكفانهم بأيديهم قبل أن يحملوا على الاكتاف إلى مثواهم الاخير،”ومن هؤلاء _ يقول السيد فخّار _ رجل مسن اصطحبه ابنه إلى محلي لاشتراء كفنه من حر ماله والاحتفاظ به في خزانته إلى أن يحين موعد رحليه”.  يذكر لنا صاحب هذا المحل حادثة أخرى لرجل من معارفه يقول عنه ابنه أن والده اشترى كفنا وهو في صحة جيدة، وصار يضعه في الحقيبة كلما قرّر أن يقضي بضعة أيام في حمام “زلفانة” بغرداية إلى أن مات وكفّن بكفنه.

 

بعضهم يشتري الكفن من الحج ويرشه بماء زمزم

 

ويقول الشيخ أحمد شاوي، وهو صاحب محل لبيع الاقمشة، أن الاشخاص الذين يقصدونه لاشتراء الكفن لأنفسهم تتعدى أعمارهم الـ 60، ولا يقتصر الامر على الرجال وحسب، بل هناك من النساء من يملكن الشجاعة لا شتراء الكفن، وعن نفسه يقول السيد أحمد الذي يبدو في العقد السابع أنه وضع كفنه منذ ثلاث سنوات في خزانة بيته الذي يعيش فيه بمفرده وأوصى إخوته بتكفينه بكفنه الذي يعرف مصدر المال الذي اشتراه به، وأورد لنا الشيخ أحمد في هذا السياق حادثة وقعت له مع شخصين قصدا محله لاشتراء الكفن لوالديهما اللذين توفيا، غير أنهما لم يدفعا ثمنهما، وهو ما اعتبره الشيخ ديناً سيظل يعذب صاحبيهما في القبر، في الوقت الذي يقوم بعض الخيّرين بدفع ثمن الكفن وتكليف صاحب المحل بالتصدق به على أي ميت، وهو ما يبادر به صاحب المحل الذي كان يتصدق به في المستشفى، ولكنه اكتشف بالصدفة أن الكفن بيع لأهل الميت بمبلغ يفوق ثمنه الحقيقي، وهو ما جعله يغيّر الوجهة إلى بيوت الله، حيث تصل الامانة إلى أصحابها. في حين يقوم أشخاص آخرون _ يقول محدثنا-  بجلب الكفن من السعودية ورشه بماء زمزم حتى تصيبهم بركات أطهر مكان في الأرض، أو هكذا يعتقدون.

 

تذكير بالموت

 تنتشر محلات بيع اللباس الشرعي الخاص بالرجال والنساء والكفن ومستلزماته، على طول أحد أحياء “بومرشي” بسطيف، قابلنا فيها السيد سيلم ديلخ، وهو شاب جامعي في مقتبل العمرالذي قال إنه ليس لديه أي مانع في اقتناء كفنه لولا أنه يحاول أن يحافظ على مشاعر زوجته التي “بالتأكيد ستشعر بالخوف وينتابها الحزن إذا احتفظت به في البيت”. يضيف “الموت حق ولا مفر منه، ويكفي أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يحتفظون بأكفناهم وحسب، وإنما يحفرون قبورهم بأيديهم ويجلسون فيها استعدادا للموت”.

ويتابع حديثه قائلا: “لكن في هذا الزمن الاغبرالذي أصبح فيه الناس يتصارعون على ملذات الحياة الفانية، هناك من يتبرم ويمتعض عندما تقع عيناه على الكفن في محلي ويتساءل لماذا أبيعه، بينما أقوم بتوفيره للناس، خاصة سكان المداشر والارياف ولا أبتغي منه تجارة أو ربحا، ويكفي أننا أستطعنا أن نوفر كمية لا بأس بها لمحلات الاقمشة بولاية تبسة أثناء الحرب التي دارت رحاها في ليبيا، حيث أصبح الكفن مفقودا بسبب كثرة الأموات، لذلك كان التونسيون يقبلون على اشترائه من تبسة ويبيعونه لليبيين”.

ويشاطر “أمين ع”، وهو شاب ملتزم زميله سليم الفكرة ولا يجد ما يمنعه من اقتناء كفنه بيده طالما أنه سيذكّره بالموت في غمرة الحياة، وقبل أن نغادر هذا المحل، عرض علينا صاحبه سليم كفنا في شكل “هدية” ولكننا اعتذرنا عن قبولها..

السيد عز الدين بوقندورة وجدناه بأحد محلات اللباس الشرعي، انخرط معنا في الحديث وأخبرنا أن والده اشترى كفنه من السعودية عندما كان يؤدي فريضة الحج، وقام بوضعه في الخزانة وهو لا يزال في الـ 45 من عمره، الامر الذي جعل والدته غير قادرة على فتح الخزانة، لأنها كلما رأته خيّل إليها أن زوجها سيرحل قريبا. أما السيد “مراد. ع”، فقد أرجع عدم تفكيرأغلبية الناس في اقتناء الكفن والذي هو من السنة، إلى الخوف والغفلة التي أحكمت قبضتها على النفوس.

 

حجتهم تحري الحلال في شراء آخر قطعة قماش يخرجون بها من الدنيا

 

ويقول “سمير ب”، وهو أيضا صاحب محل لبيع الاكفان، أن بعض الشباب الملتزم يقبل على اشتراء الكفن وليس كبار السن فقط، لأنه يعد من السنة، مثلما يقوم بعضهم بكتابة وصية الموت التي يضمنّها رغبته في دفنه على الطريقة الشرعية، نفس الفكرة وجدناها عند “بثينة. م”، وهي مرشدة دينية بمسجد “لامير” بالعلمة، حيث تقول إن العديد من النساء والفتيات الملتزمات استفتينها حول جواز اقتناء الحي للكفن، وبعضهن كتبن وصيتهن، وتقول عن نفسها إنها شخصيا لم تتورع عن كتابة وصيتها ساعات قليلة قبل أن تخضع لعملية جراحية، وقد ضمّنت الوصية أسماء الاشخاص الذين استادنت منهم مبالغ مالية، والطريقة التي يجب أن تتم بها جنازتها.

 

أغرب وصية ميت

أما عن أغرب وصية ميت وقعت بين أيدينا، فقد كتبها مدرّس من راس الوادي ولاية برج بوعريريج منذ أيام قليلة قبل أن يموت بساعات، حيث سقطت عليه شجرة كبيرة، وهذا نصها: “بسم الله الرحمن الرحيم.. إعلان وفاة.. إنا لله وإنّا إليه راجعون كل نفس ذائقة الموت.. بقلم العبد الضعيف أمام قوة الله “كمال معارشة جمال” تعلن عائلة معارشة عن وفاة المدرِّس كمال معارشة والذي وافته المنية يوم 22 _ 4 _ 2013 وسيوارى التراب يوم 22  _ 4  _ 2013 على الساعة..

بعد العصر بمقبرة أحمد عاشور، وهذا الاعلان الذي يعتبر بمثابة وصية، إنني أناشدكم بالله أن تُكثروا الدعاء وأن تصلوا عليّ بالمسجد مطبقين ما ترونه من فرائض وسنن، كما أوصيكم بأبنائي خيرا قدِّموا لهم النصح إذا أخطؤوا وعاتبوهم إذا أصروا على الخطأ، أطلب الصفح من الجميع وأقسم أنني لا أغل على أحد، وإنني عفوت على كل من ظلمني وأنا على قيد الحياة، من أحبني فليكثر من الدعاء في كل وقت وفي كل مكان، أكثروا من تصوير هذه الورقة وعلقوها في كل مكان.. العبد الضعيف كمال معارشة المدعو جمال.

 

مقالات ذات صلة