الشروق العربي
ينتظرون رمضان ..سنة كاملة..

عائلات تسترزق من بيع “المطلوع” بعد أن غلبها الفقر و الجوع!

الشروق أونلاين
  • 4443
  • 5

تدفع الفاقة والعوز بالكثير من الأفراد إلى طرق أبواب الرزق كلها من دون استثناء، عندما يصل الحال بالكثير من العائلات إلى انعدام الأسباب في قضاء حاجياتها اليومية سواء بسبب المداخيل الزهيدة أو حتى لانعدامها، وككل سنة من شهر رمضان تتخذ العديد من النساء “صناعة المطلوع” مكسبا لها، من أجل مصاريف شهر رمضان الكريم، ومن بعده عيد الفطر، هذه التجارة التي أصبحت من عادات هذا الشهر، تنتشر بشكل كبير في الكثير من المدن، وتختلف من منطقة إلى أخرى، كما يختلف مكان تواجدها، فتباع حتى عبر الطرقات، فترى الكثير من الأطفال يجوبون الشوارع والأرصفة من أجل البحث عن زبون دفعته الحاجة إلى اقتناء “المطلوع” الذي تفتقده الكثير من الأسر في شهر رمضان.

حينما تضيق الأرض بما رحبت  بالعديد منا، فإن المخارج المستحيلة تصبح ممكنة، وهو ما تعكسه حالات العائلات التي تصنع “المطلوع” من أجل كسب الرزق والقدرة على إتمام مصاريف شهر رمضان الكريم والتفكير في عيد الفطر، هو إذا ليس اختيارا، بل إجبار، فلما يقف المعيل للعائلة على مائدة رمضان مع الأسرة وهي خاوية من كل لذيذ وقد قضى يوما شاقا من الصوم ومن بعده إفطار من دون الكثير مما تشتهيه الأنفس، هو ما يدفع بالكثير من النساء إلى فتح هذا الباب من أجل تغطية جانب من نفقات يوميات رمضان وأمسياته، مادامت الكثير من النساء الأخريات في حاجة إلى هذا الخبز الذي يقوم على سواعد النساء لا الآلات، إن الحاجة والعوز الذي يؤرق الكثير من العائلات اتخذت هذه المهنة المؤقتة في شهر رمضان مكسبا لها، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها العديد من الأسر الجزائرية طوال أيام السنة، فما أدراك بأيام رمضان التي تتطلب الكثير من النفقات مادامت العين تطمع والنفس تشتهي.

“المطلوع” بين من تتخذه كسبا للرزق وبين من تقتنيه عجزا عن تحضيره

اذا كانت العديد من النساء اتخذت هذه التجارة لكسب دراهم معدودات من أجل مصاريف الصوم، فإن في المقابل هناك من النساء من هن في حاجة إلى هذا “المطلوع” وهي منفعة لهن، سواعد لا تستطيع مغازلة مادة “الخميرة” لأسباب أو لأخرى، فمنهن العاملات والمتعلمات، اللواتي لم يحصل لهن شرف الجلوس إلى دروس في صنع “المطلوع” الذي بقي حكرا على النساء اللواتي بقين في البيوت وهن كثيرات، أو من هن من تعلمن هذا من أجل الحاجة مثل الحاجة إليه ببيعه في الشهر الكريم والاسترزاق به، إذا هي منفعة متبادلة بين النساء فمنهن من تكسب به ومنهن من تلقي بتعب تحضيره على أخرى وتقتنيه مادة للاستهلاك المباشر، فبين من تسد ببيعه حاجات أخرى حتى ولو كان بثمن زهيد وبين من كان سببه العجز في تحضيره تبقى خدمة متبادلة بين الكثير من النساء في شهر رمضان الكريم.

“نساء مكتويات بحرارة تحضير “المطلوع” ونار العوز”

ليس من السهل الجلوس إلى تحضير مادة “المطلوع”، خاصة لما يتعلق الأمر ببيعه، فالكثير ممن اتخذن هذا الكسب يكتوين بحرارة تحضيره في أيام شاقة من شهر رمضان، بين تعب الصوم وحرارة “الطاجين” تقضي العديد منهن ساعات وربما أكثر من نصف اليوم في تحضيره، آهات أمهات يحاصرهن العوز في كل الأيام الخالية ليأتي شهر رمضان ويبقين يصارعن العوز، لكن بدرجة أكثر مادامت تقضي العديد منهن أيامه في تحضير هذه المادة التي لا يستغني عنها الكثير في شهر رمضان، خاصة ممن عجزن عن تحضيره من شقيقاتهن النساء.

“بائعون من نوع خاص وهم … البراءة”

إذا كانت الكثير من النساء تعانين في صمت من تحضيره، فإن الأمر ينطبق على العديد من الأطفال الذين توكل لهم مهمة الترويج له وبيعه، منهن من تكون لهن زبائن في الدكاكين وهن من يقطن المدن أي لا حاجة لهن للخروج والتجوال من أجل بيعه، وهن المحظوظات، لكن من تقطن خارج المدينة في الأماكن المنعزلة، ولأنه من الصعب التوجه به إلى أماكن بعيدة لبيعه، كان لزاما على الأطفال الوقوف عبر الطرقات والأرصفة من أجل الظفر بزبون من عابري السبيل أو المتجهين إلى أماكن أخرى، أطفال يجلسون النهار بطوله تحت أشعة الشمس يراقبون المارة بأعين متوسلة، تتوسل في صمت إلى كل من تقع أنظارها عليه من أجل إقتناء “المطلوع”، لأن العديد من الأمهات ينتظرن هذا الكسب في الخفاء من أجل مصاريف أخرى لبعض المواد الاستهلاكية ربما تكون من الضروريات على مائدة رمضان، هو إذا العوز والحاجة الذي وضع الكثير من العائلات منتصبين له كل في مكانه، الأم أمام “نار” التحضير، والأولاد تحت أشعة الشمس، وفي الأخير الكسب دراهم معدودات، لكن ما باليد حيلة مادام الدخل غير كاف ولا حتى موجود بالكامل ما بقي إلا الصبر والانتظار ربما يجعل الله من بعد هذا مخرجا.

“لكن هل حقا هذا المكسب يغطي نفقات العائلة ولو بالقليل؟”

إذا نظرنا إلى ما تفعله أيام رمضان، بالكثير منا في السعي إلى كل تشتهيه العين من المآكل فإنه من المستحيل أن نتصور أن مثل هذا الدخل  يوفي ولو بالقليل متطلبات العائلة من الناحية المادية، وكذا تعويض التعب والجهد الذي تبذله المرأة التي تحضره، التي تجمع بين الحرارة ومشقة الصوم، لأن فكرة الكسب من بيع المطلوع والثمن الذي تحققه من هذا لم يبق فحسب في تغطية مصاريف رمضان، بل إلى السعي ربما إلى توفير القليل منه الى الأيام المقبلة أي إلى عيد الفطر، وما تحمله هي الأخرى من طلبات أرهقت العديد منا من ذوي دخل مستمر وثابت فكيف بمن تتخذ “المطلوع” سببا في تغطية ما تحتاجه العائلة من ضروريات وكماليات في رمضان ومن بعده، لكن كما أسلفنا الذكر فإنه وفي الوقت الذي لا يوجد البديل عن هذا فإن السعي هذا هو حق مشروع مادام الدافع اليه هو طلب رغيف العيش.

 إن الوقوف عند هذا الموضوع في تحضير “المطلوع” والاسترزاق من الثمن الزهيد الذي يعود به على العائلة في شهر رمضان، هو لذكر الحالة التي وصلت بالكثير من العائلات التي انغلقت عليها أبواب الرزق وتجمدت أرصدتها، وعن الدراهم المعدودة التي يتلقاها المعيل للأسرة في الآخر من كل شهر، وكذا للبطالة التي تنخر جسد تركيبة المجتمع.

فبين من اتخذ جملة “روح تبيع المطلوع” للسخرية، وبين من ترى في بيعها الأمل في إسكات أفواه تبكي جوعا، قصة تكتب على جدران العوز والفقر. 

مقالات ذات صلة