الجزائر
مع تفاقم جرائم القتل بسطيف

عائلات تعيش صمت الفقد يوم العيد

سمير مخربش
  • 106
  • 0
ح.م
تعبيرية

في صباح العيد، حين كانت تكبيرات الأضحى تتعالى من المساجد تقطعها أصوات الكباش في الأزقة والبيوت، كانت هناك منازل أخرى بولاية سطيف تعيش صمتاً ثقيلاً لا يشبه العيد في شيء. وخلف الأبواب المغلقة هناك عائلات تلقت تهاني العيد في شكل تعاز متأخرة، وأمهات جلسن أمام صور أبنائهن يحدقن في الفراغ، بينما تحوّلت فرحة المناسبة إلى وجع مضاعف لأن العيد هذه المرة جاء ناقصا لغياب من كانوا يملؤون البيت ضحكاً وحياة. فأي عيد لعائلات فقد الحبيب في لحظة غدر جاءت في سياق سلسلة جرائم قتل متعددة أطفأت بهجة العيد الكبير.
في لحظة غضب قصيرة، يتسع الفعل ليصبح مأساة كاملة، وينقلب الخلاف من كلمات متبادلة إلى قدر لا رجعة فيه. هكذا تُغتال الطمأنينة داخل أُسر لم تكن تتوقع أن يتحول يوم عادي إلى نقطة انكسار نهائية في مسارها. فالغدر هنا لا يأتي دائماً من غريب، بل أحياناً من دائرة القرب نفسها، من علاقة قرابة أو جوار أو معرفة طويلة، ما يجعل وقع الفاجعة أشد إيلاماً وأكثر التباساً على الذاكرة.
وبين ما كان يُفترض أن يكون عيداً للفرح، وما صار واقعاً من فقد وغياب، تتكشف ملامح جراح أعمق من الحدث نفسه، جراح تعيشها العائلات بألم متقطع يتجدد يوم العيد ليطارد أفراد العائلة في كل زاوية.

الفقيد حاضر في الكرسي الفارغ والثياب التي لم تلبس
في حي طنجة بمدينة سطيف، لا تزال آثار الصدمة مخيمة على عائلة الشاب محمد شلال، الذي قُتل بطعنة خنجر يوم 23 مارس الماضي. أول عيد يمر على والدته دون أن تسمع صوته وهو يطرق الباب حاملاً مستلزمات العيد أو يمازح إخوته داخل البيت. جلست الأم بصمت طويل قبل أن تقول بصوت متعب: “العيد مات يوم مات ولدي… الناس فرحانة وأنا كل زاوية في الدار تذكرني به”. كانت كلماتها تختلط بالبكاء وهي تستعيد تفاصيل آخر عيد قضاه معها، حين كان يصرّ على إدخال البهجة إلى البيت رغم ظروف الحياة الصعبة.
وفي عين الكبيرة، حيث قُتل الشيخ السبعيني عومار لقديم إثر خلاف حول أرض فلاحية، بدا العيد مختلفاً تماماً داخل البيت الذي كان الضحية يتوسطه كل سنة بصفته كبير العائلة. أحد أقاربه قال بحسرة: “كنا نجتمع حوله في كل مناسبة… اليوم الكراسي موجودة لكنه غير موجود”. هناك، لم تعد قضية الأرض أهم من الفراغ الذي تركه رحيل رجل كان يمثل ذاكرة العائلة وسندها.
أما بمدينة العلمة، فقد خيّم الحزن على عائلة الشاب الذي قتل بحي المنكوبين بعد شجار تحول إلى جريمة دامية. شقيقه الأكبر قال لنا إن والدته لم تتمكن حتى من مشاهدة مظاهر العيد هذا العام، بعدما أصبحت كل الأصوات تذكرها بابنها الراحل. وأضاف: “كانت تنتظر العيد ليفرح معنا… اليوم صرنا نخاف من رؤية ثيابه وصوره.”
وفي عين ولمان، حيث وقعت واحدة من أبشع الجرائم بعدما أنهى شاب حياة والده السبعيني داخل المنزل العائلي، لم يكن الحزن مرتبطاً فقط بفقدان الضحية، بل أيضاً بانهيار أسرة كاملة تحت وطأة العنف. الجيران هناك تحدثوا عن عيد بلا طعم، بعدما تحولت قصة العائلة إلى حديث الناس جميعاً، في مشهد يلخص كيف يمكن للحظة غضب أن تدمر حياة أسرة بأكملها.
حي 663 مسكن بالعلمة عاش بدوره عيداً باهتاً، بعد وفاة شاب متأثراً بإصابة خطيرة إثر شجار مع والده، فيما لا تزال قنزات بشمال سطيف تبكي أستاذ اللغة العربية إبراهيم طاسين، الذي قُتل في اعتداء هز سكان المنطقة بسبب السمعة الطيبة التي كان يحظى بها بين الناس. أحد زملائه قال بحرقة: “التلاميذ والأساتذة والإداريين وكل الزملاء كانوا يذكرونه هذا العيد… لم يصدقوا أنه رحل بهذه الطريقة.”

حين يتحول الخلاف إلى دم… وجه آخر للعنف الاجتماعي
ثماني جرائم قتل خلال شهرين فقط… رقم ثقيل على ولاية كانت إلى وقت قريب تعيش هدوءاً نسبياً مقارنة بما يحدث اليوم. الرقم لم يعد مجرد إحصائية أمنية، بل هي صور لأمهات يرتدين السواد ويحملن في القلوب جراحاً لا تندمل، ولآباء يحبسون الدموع خلف نظرات منهكة، ولأطفال كبروا فجأة على معنى الفقد ومرارته.
وخلال جولتنا بين بعض العائلات، كان هناك قاسم مشترك في كل البيوت: الحسرة على أن الضحايا رحلوا قبل فترة قصيرة فقط، وكأن العائلات لم تُمنح الوقت الكافي لاستيعاب الصدمة قبل أن يأتي العيد ويضاعف الإحساس بالغياب. فالمناسبات عند المفجوعين لا تعني الفرح بقدر ما تعني استحضار الراحلين في كل تفصيل صغير، في الكرسي الفارغ، في الفراش البارد، في الملابس التي لم تُلبس، وفي الأطباق التي كان يحبها الغائبون.
ويرى الأستاذ ناصر عليوي، المختص في علم الاجتماع أن تزامن هذه الجرائم في فترة قصيرة يكشف عن تحولات اجتماعية ونفسية مقلقة داخل المجتمع، خاصة مع تصاعد العنف واستسهال استعمال الأسلحة البيضاء في الخلافات اليومية. ويؤكد المختص في علم الاجتماع، في حديثه لنا، أن “الضغط النفسي والاجتماعي، إلى جانب انتشار المخدرات والمهلوسات وتراجع سلطة الأسرة، كلها عوامل ساهمت في رفع منسوب العنف داخل المجتمع.” ويضيف أن “أخطر ما في الأمر هو تحوّل الخلافات البسيطة إلى مواجهات قاتلة في وقت قياسي، وهو ما يعكس هشاشة القدرة على التحكم في الانفعال لدى بعض الشباب، خاصة مع غياب الحوار وتفكك الروابط الاجتماعية.”
كما يربط متابعون هذا المنحى المقلق بتغيرات مست القيم الاجتماعية داخل بعض الأحياء، أين أصبحت مشاهد العنف أكثر حضوراً، وصار حمل السلاح الأبيض أمراً عادياً لدى البعض، ما جعل أبسط الاحتكاكات اليومية قابلة للتحول إلى مآسٍ دموية.
وبين بيوت فقدت أبناءها وآباءها في لحظات غضب قاتلة، ومدينة تعيش على وقع سلسلة من الجرائم المتقاربة، بدا عيد هذا العام مختلفاً في كثير من أحياء سطيف. عيد بلا ضحكات مكتملة، وبلا صور جماعية كما كانت، وبقلوب لم يترك الأسى فيها مكانا للفرح وأنهكها سؤال واحد ظل يتردد داخل البيوت المفجوعة: “كيف يمر العيد من دون من رحلوا.”

مقالات ذات صلة