عائلة سلطاني غير مقتنعة برواية “الغجر”
لم تحصل الجزائر في تاريخها الأولمبي، الذي عمره نصف قرن سوى على خمس ميداليات ذهبية، من بين 15 ميدالية، بمختلف المعادن، وجميعها تحققت في رياضة ألعاب القوى وفي مسافة 1500 متر فقط، باستثناء ذهبية واحدة في رياضة الملاكمة، ويمكن الجزم بأن صاحبها المرحوم حسين سلطاني هو أهم ملاكم في تاريخ الجزائر، لأنه وحده من حقق الذهب في دورة أولمبية معقدة.
فيكفي القول بأنها جرت في عام 1996 في لهيب الأزمة الأمنية التي عصفت بالجزائر، والتي زلزلت الرياضة الجزائرية وأحبطت الرياضيين، بدليل أن منتخب الكرة كان أول من أقصي في رحلة التأهل لكأس العالم في فرنسا عام 1998 أمام منتخب كينيا المتواضع، وأيضا لأن دورة 1996 في أطلنطا جرت في بلاد الملاكمة أي الولايات المتحدة الأمريكية، وشارك فيها كل رياضيي العالم وليس مثل دورة لوس أنجلس 1984 التي قاطعها المعسكر الشرقي وملاكمو كوبا على وجه الخصوص، فحصل فيها موسى وزاوي على ميداليتين برونزيتين، عكس ما قام به ابن الجزائر حسين سلطاني الذي انتزع الذهب من كبار العالم، كأول وآخر ملاكم جزائري وعربي يحصد الذهب في الألعاب الأولمبية، وهذا بعد أن حصد ميدالية برونزية في ألعاب سيدني عام 2000 ليكون الوحيد في تاريخ الجزائر، على مدار كل دورات الألعاب الأولمبية من يحصل على ميداليتين، إحداهما من المعدن الثمين، وهو ما لم يحققه كبار الرياضيين بما فيهم أسطورة ألعاب القوى نورالدين مرسلي، إلى أن تزلزلت الجزائر في خريف عام 2003 على وقع جريمة قتل بشعة في أحد شوارع مارسيليا جنوب فرنسا وتم تقييدها بفعل عصابات الغجر التي غزت فرنسا، وهو السيناريو الذي رفضه كل الذين عرفوا هذا البطل الكبير من أهل وأصدقاء ورفقاء الملاكم، الذي قد يكون أكبر بطل رياضي في تاريخ الجزائر.
لا نريد سوى الحقيقة؟
سبق للشروق اليومي وأن اتصلت بالسيد عمار سلطاني شقيق المرحوم وسألته عن حالة العائلة بعد فقدانها ابنها، فبدا في قمة غضبه رفقة عائلة سلطاني، خاصة عندما صدمنا بحقيقة حرمان زوجة البطل سلطاني، وأبناءه الثلاثة من منحة يعيشون بها، لأنهم ينتمون لبطل أولمبي أسطوري شرّف الجزائر ومسح دموع الجزائريين في زمن الإرهاب بفرحة التتويج بالذهب، أما عن الحكاية المتداولة حسب الأمن والصحافة الفرنسيين عن سيناريو جريمة قتل حسين، من طرف الغجر، فلا أحد هضمها من العائلة بما في ذلك والده الذي توفي بعد أشهر من الجريمة، وهو يقول بأن حسين منحه أكبر فرحة في حياته وأكبر حزن برحيله الغامض، بل ولا أحد صدق بأن الجثة التي وضعت في التابوت القادم من فرنسا لحسين سلطاني، لأنها كانت متعفنة جدا، وترك حسين البطل ابنا يدعى سيد علي في العشرين من العمر وابنتين توأم في السابعة عشرة من العمر حاليا، والكثير من أهل سلطاني وحتى من الملاكمين مقتنعون بأنه مازال حيّ يرزق.
وحتى رفاق البطل المرحوم غير مقتنعين بمختلف روايات الاغتيال في شوارع مارسيليا، لأنهم يعرفون أخلاق حسين الذي عاش لعائلته وللملاكمة ومنهم البطلان زهير بوالشعر وعبد الغاني فراجي، الذين تمنوا من السلطات الجزائرية أن تطالب من الفرنسيين معاودة فتح قضية الجريمة اللغز، لأنها طالت ملاكما عملاقا على المستوى العالمي، كان سيخوض بنجاح تجربة الاحتراف ومرشح للقب عالمي كبير وفريد من نوعه، وغير مسبوق في الملاكمة لأن سلطاني تم اغتياله وهو في سن الثامنة والعشرين فقط وهو سن أبطال الاحتراف.
رصاصات وجثة متعفنة في غابة؟
في فرنسا اكتفت الصحف بنقل مقتل شاب جزائري، وقليل منها من قال بأن المعني بالجريمة هو بطل أولمبي في الملاكمة، وعنونت ليكيب الفرنسية بست رصاصات أنهت حياة بطل ملاكمة جزائري في مارسيليا، وبعد تحقيقات لم تزد عن يومين تم الإقرار بأن المنفذين هم مجموعة الغجر المعروفين في فرنسا بليجيتون أو ما يشبه البدو الرحّل في أوربا، وتم طي الجريمة نهائيا سواء في فرنسا أو في الجزائر خاصة أنها لم تقع على أرض الجزائر، وتم نسب مقترفيها لقوم معروف عنهم الغموض وهم الغجر، الذين غزوا فرنسا قادمين من بلاد أوربا الشرقية.
ستّ رصاصات أنهت حياة البطل
والغريب أنه لم يسبق وأن تم تكليف محامي من جاليتنا في مارسيليا القوية جدا، ولا من الجزائر لمتابعة هذه القضية المليئة بالألغاز، وبقي رحيل ابن مدينة بودواو لا يوازي حياته الحافلة بالميداليات والبطولات، ولمن تجاهل التاريخ فإن لوصيف حماني الأسطورة، بلغ الدور ربع النهائي فقط من الألعاب الأولمبية التي جرت في ميونيخ عام 1972 بينما حصل سلطاني على برونزية في سيدني وذهبية في أطلنطا إضافة إلى ميدالية برونزية في البطولة العالمية، التي جرت في طوكيو، وهو إنجاز لم يسبق لملاكم عربي أو إفريقي أن حققه ومع ذلك تعيش عائلة المرحوم من دون منحة تقيها صعوبة الحياة.
وقد يكون سرّ وفاة الراحل سلطاني، مع المناجير الفرنسي والإيطالي الأصل، جون بيار دي ستيفانو الذي جرّه إلى عالم الاحتراف، وشارك قبل وفاته في طريقه نحو اللقب العالمي بأربع منازلات في عالم الاحتراف، اثنين منها بالضربة الفنية القاضية، قبل أن تنهي ستّ رصاصات حياته، لتكتشف الشرطة جثته في غابة بمارسيليا وهي متعفنة، وتم نقله رفات من عظام إلى الجزائر، وهو ما جعل والده يقتنع بأن ابنه مازال على قيد الحياة وقد يكون في سجن في مارسيليا؟