عادة فاطمية أصيلة يتحسر عليها القسنطينيون في كل رمضان
“يا نايم قوم وحّد الدايم” عبارة اِعتاد الجزائريون سماعها في بعض المسلسلات السورية؛ مثل مسلسل باب الحارة الشهير، وهي إحدى سمات المسحراتي؛ ذلك الرجل الذي يطوف على الحارات والبيوت في شهر رمضان، ضاربا على طبله بشكل مهذب، ليوقظ أهلها لتناول سحورهم.
الاعتقاد السائد لدى الكثير من الجزائريين أن هذه العادة حكر على بعض البلدان العربية دون غيرها لكن التاريخ يؤكد لنا أنها عادة قسنطينية قديمة تعود أصولها إلى عهد الفاطميين واِستمرت إلى عهد الاحتلال الفرنسي، لتستبدل فيما بعد بالمنبهات.
من دمشق العتيقة إلى سيرتا العريقة، تختلف اللهجات، تتنوع المسميات والهدف واحد، تروي الحاجة الضاوية– من مواليد 1926 بمدينة قسنطينة– عن شهر رمضان في طفولتها بحي رحبة الصوف الشعبي العريق فتقول: لم يكن يومها لدينا كهرباء بل كانت رحبتنا تضاء بالفنارات؛ وهي عبارة عن مصابيح زيتية، وتضرب المدافع في وقت الفطور، أما في وقت السحور فكان بوطبيلة يطوف كل ليلة قبيل الفجر على الأحياء الشعبية، وكلما وصل أمام بيت من البيوت ضرب على طبله مرددا: “بوطبيلة نوض تتسحر سحور الليلة” وأحيانا ينادي باسم رجل البيت “يا فلان عمك بوطبيلة نوض تتسحر سحور الليلة“.
وعن مكانته بين أهل الحي، تقول الجدة الضاوية إن “بوطبيلة” كان محبوبا كثيرا لدى أهل الحي خاصة الأطفال، وكانوا يخصصون له قسمته من حلويات وفواكه وحتى اللحوم، فضلا عن مبلغ مالي يحصل عليه من طرف كل عائلة من عائلات الحي، كما أنه يعود صباح يوم العيد بطبلته ليطوف على البيوت ويهنئ الناس بعيدهم، فيهبُّون إلى إكرامه بعيديات حسب المقدرة ونصيبه من الحلويات.
وقد جاءنا في قصص الأثر، أن الصحابيين الجليلين بلال بن رباح وابن أم مكتوم، رضي الله عنهما، كانا يقومان بمهمّة إيقاظ النّاس للسّحور، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم=: “إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم” وكان يؤذن لصلاة الفجر، وحتى القرن الثامن الهجري كانت القناديل التي تعلق فوق المآذن هي التي تحدد للناس مواعيد السحور والإمساك، فإذا كانت مضاءة كان موعد السحور، واذا أطفئت كان ذلك إيذانا أن الفجر اقترب، وهذا ما يفسر المآذن المضاءة بمصابيح الكهرباء طوال ليالي شهر رمضان منذ هذا التاريخ وحتى يومنا هذا.
أما أول من نادى بالتسحير فهو عنبسة بن إسحاق سـنة 228 هـ وكان يذهب ماشياً من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص وينادي في النّاس بالسحور.
اختلفت أساليب التسحير وتنوعت وسائله من بلد إلى آخر، حيث استخدمت الطبلة في مصر، فيما لجأ أهل بعض البلاد العربيّة كاليمن والمغرب الإسلامي إلى الدق على الأبواب بالنبابيت واستخدموا أيضا الطارات والمزامير، أما أهل الشّام فكانوا يطوفون على البيوت ويعزفون على العيدان والطّنابير وينشدون أناشيد خاصّة برمضان. ولم يعرف التاريخ وجود المرأة “المسحراتية” إلا في مصر، ففي عهد أحمد بن طولون كانت كل امرأة تنادي على جارتها من نافذة منزلها لإيقاظها، ولم يعرف أن النساء كن يخرجن إلى الشوارع للتسحير.