عاشوراء.. والنّصر الموعود
لا نزال نعيش –بفضل الله- أيام أوّل شهر من العام الهجريّ الجديد 1446هـ.. شهر الله المحرّم، أحد الأشهر الأربعة الحرم.. بل هو أفضلها، وخير شهر في العام بعد رمضان.. ما كان قدوتنا -صلى الله عليه وآله وسلّم- يتعامل معه كباقي الأشهر، بل كان يرعى حرمته وفضله ويزداد فيه اجتهادا وقربا من مولاه، وكان يقول: “أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل”.
يقول الإمام ابن رجب –رحمه الله-: “اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل؟ فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن، قال: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه”ا.هـ.
وأفضل يوم في هذا الشّهر الحرام هو اليوم العاشر أي عاشوراء، الذي أصبح رمزا لانتصار المستضعفين وانكسار البغاة الظّالمين.. اليوم الذي يتذكّر فيه المسلمون عاقبة أطغى فرعون في تاريخ البشرية، ذلك الفرعون الذي بلغت به الجرأة أنّه قال للنّاس: ((أنا ربّكم الأعلى))، وانتفخ متبخترا بملكه، فقال: ((أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي))، وحارب رسالة السّماء ونكّل بعباد الله المسلمين الذين اتّبعوا نبيّ الله موسى عليه السّلام.. بل قد بلغ به الصّلف أنّه تطلّع الفرعون إلى السّماء فقال لوزيره هامان: ((يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا))!
أراه الله آياته لعلّه يرعوي ويرجه، لكنّه أصرّ واستكبر، فحاق به نكال الله، وكانت عاقبته أنّه غرق في الماء، ونجّى الله بدنه بعد ذلك ليكون عبرة لكلّ متكبّر جبّار: ((فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)).. لم يكن فرعون هو من غرق وحده، بل غرق معه جنوده ووزراؤه وأتباعه الذين كانوا يأتمرون بأمره: ((فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ))..ونجّى الله المستضعفين وأورثهم ملك فرعون وقصوره وأمواله: ((كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِين)). ومكّن الله للمستضعفين في الأرض بعد أن ضاقت عليهم بما رحبت: ((وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُون)).
قصّة فرعون، ليست قصّة تاريخية كانت وانتهت، لكنّها قصّة تتكرّر في كلّ زمان، بصور وأسماء تختلف، وفي زماننا هذا ما أكثر الفراعنة الذين يسيرون بسير فرعون ويستنسخون مسيرته! ما أكثر من أسكرتهم نشوة الملك عن الاعتبار بعاقبة فرعون! ها هي أمريكا رمز البغي والطّغيان في زماننا هذا تقول للبشرية بلسان الفعل: أنا ربّكم الأعلى! ها هي تحارب دين الله الحقّ، وتبذل أموالها وتسخّر أسلحتها وإعلامها لتحُول دون عودة الإسلام الموعودة.. وها هي تمدّ الصهاينة بكلّ ما يطلبون ليؤدّوا دورهم المنوط بهم في الحيلولة دون قيام خلافة راشدة في أرض الشام؛ تماما كما فعل فرعون حينما أبى إلا أن يقتل أبناء الذين آمنوا حتى لا يظهر النبيّ الذي يكون على يديه زوال ملك فرعون. لكنّ أمر الله مضى وجاء موسى وتربّى في قصر فرعون، وكان أمر الله مفعولا.. وهكذا سيشتدّ عود المقاومة ويصل إليها السلاح الذي أمدّت به أمريكا الصهاينة، ويتحقّق وعد الله على يد الطائفة المنصورة: “لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرِينَ علَى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ وهُمْ كَذلك”.
يوم عاشوراء ينبغي أن يذكّرنا بهذه السنّة الإلهية الماضية؛ سنّة انتصار المستضعفين وهلاك الباغين، مهما استطال الظّلم ومهما طال أمده، فإنّ له يوما لن يجاوزه.. قد يظنّ المستعجلون في وقت من الأوقات أنّ الظّالم قد انتصر وانتهى الأمر، وأنّ المستضعفين لن تقوم لهم قائمة أبدا، فيأبى الله إلا أن يقلب الموازين في لحظة ما كان أكثر النّاس ينتظرون أن تأتي.. يقول الشيخ الطريفي: “سقوط الدول الظالمة يكون فجأة غير متوقع، وإذا رأيت الناس استبعدوا سقوط الظالم حالياً، فاعلم أن هذا وقت سقوطه المناسب. يقول الله -عز وجل-: ((بَغتَةً وَهُم لا يَشعُرون))”.
وهذه السنّة الماضية، ينبغي ألا تسوّل لنا الرّضا بالقعود عن نصرة المظلوم، بحجّة أنّ الله ناصره ومنتقم له من ظالمه! فالله –جلّ وعلا- قادر على أن ينكّس راية الباطل من أوّل وهلة، لكنّه يمتحن عباده فيوجب عليهم أن يبذلوا الأسباب ليكون سقوط الباطل على أيديهم، فينالوا الشّرف في الدّنيا والآخرة، فإذا تخلّى العباد عن واجبهم أنزل الله بهم عقوبته، وجاء بعباد آخرين يرفعون راية الحقّ ويبذلون مهجهم وأرواحهم وكلّ ما يملكون ليسقطوا راية الباطل.
الحقّ لا بدّ له من نصير، وصاحب الحقّ لا يجوز أبدا أن يترك وحيدا.. ونحن في أيامنا هذه في أمسّ الحاجة إلى هذا الدّرس، بعد أن تركنا شامة أمّتنا وتيجان رؤوسنا، المجاهدين المرابطين في أرض الإسراء، وحدهم يواجهون تحالف قوى الكفر والنّفاق.. وهذا والله إثم عظيم، لن تكون عاقبته خيرا لنا، بل ستكون فتنة تصيبنا إن لم يلطف الله بنا ويردّنا إلى دينه.. حقّ لنا أن نبكي بدل الدّمع دما، ليس فقط لأجل أشلاء الأطفال التي تتناثر في غزّة، ودماء الضعفاء التي تسيل هناك، وصرخات الأمّهات والثّكلى التي ترتفع في سماء الأرض المباركة.. وليس فقط لأجل دمعات الأطفال الذين أنهكهم الجوع وقطّع قلوبهم الخوف.. وإنّما حقّ لنا أن نبكي كذلك بكلّ حرقة وأسف أنّنا لم نقدّم لإخواننا شيئا؛ بخلنا عنهم بأموالنا وجهودنا وحتّى بدعواتنا، وانطلقنا نتمتّع بدنيانا طولا وعرضا، في الوقت الذي ضاقت فيه الأرض بما رحبت على إخواننا.. حفلات الأعراس لا تزال كما كانت في أعوام مضت تصدح بالأغاني الهابطة، والعري لا يزال كما كان في سنوات مضت، والتبذير لا يزال يصبغ حياتنا، وقلوبنا لا تزال معلقة بالمظاهر الفانية!
والله إنّ إخواننا ليمرّون بكرب شديد، لا طاقة لهم به، حرّ الشّمس الذي أنهك الأطفال والنّساء في الخيام، مع قلّة الطعام وندرة مياه الشّرب، ومع حرّ القصف.. اجتمع عليهم ما لو اجتمع على الجبال صارت ترابا..
يقول أحد الأفاضل هناك: “ننام في غزة كل يوم والدموع على مآقينا من حرقة الفقد وشدة الوجع. شربة ماء باردة هي أجمل أمانينا في غزة الآن”، ونشر مقطعا لطفل أصيب بالجراح في جسده كلّه يبكي ويرجف من شدّة ما مرّ به من خوف ورعب، وكتب قائلا: “هل رأيتم دموعه؟ هل رأيتم جراحه؟ لا سامح الله كل من خذلك يا صغيري”.
وكتب يقول: “والله لو رأيتم قهرنا في غزة لما صدقتم أن بشراً يستطيع أن يتحمل كل هذه الأهوال ويبقى على قيد الحياة ولا يموت! والله لو كان صخراً لتفجر، ولو كان بحراً لتبخر، ولو كان جبلاً لتصدع، ولو كان حديداً لذاب.. اخجلوا من سطحية همومكم أمام ما رأينا من عظيم البلاء، ولا تعتادوا المشهد فالله يرى من خذل ويشهد”.
نعم، أصاب إخواننا من الضرّ واللأواء ما تنوء عن حمله الجبال، لكنّهم في النّهاية سينتصرون ويظفرون بعدوّهم: “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله. وهم كذلك”، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس” (أخرجه الطبراني).. الوعد آت لا محالة، لكنّ المؤلم هو أن يأتي ونحن غارقون في همومنا الدنيوية الساقطة!