الرأي

عاصفة الحزم.. هل استيقظ الغضب العربي؟

صالح عوض
  • 2463
  • 0

على المستوى الدولي.. المؤيدون للعملية العسكرية أمريكا وبريطانيا وفرنسا وتركيا والمعارضون الصين وروسيا وإيران ودول في الاتحاد الاوروبي وأمريكا اللاتينية.. وعلى المستوى العربي الرافضون هم العراق ولبنان وسوريا والجزائر، أما المؤيدون فهم من شارك في العملية العسكرية ومن أعلن رسميا تأييده.. وهناك بين الموقفين مواقف مترددة ولكنها تميل إلى الحوار والمصالحة الداخلية اليمنية.

إن قراءة ما حصل خلال الأيام السابقة منذ انطلاق العملية العسكريةعاصفة الحزميحتاج بلا شك ترويا وصبرا واستبصارا للمشهد كله وخلفياته وعلاقاته وامتداداته وفحص المقولات والتبريرات والأسباب وتحديد دوائر الصواب من الخطأ الاستراتيجي واستشراف مآلات ما حصل على سلامة الدول وأمنها وعلى علاقات الفئات والمكونات القومية والمذهبية في الأمة فيما بينها وأين ذلك كله من المخطط الأمريكي والغربي تجاهنا ونتائج ذلك على الكيان الصهيوني وقوته ودوره في المنطقة

وبعيدا عن ردات الفعل السطحية العصبوية قصيرة النظر التي انتابت بعض الكتاب والصحفيين المتأثرين بموجات الدعاية التعبوية التحريضية العنصرية، نلجأ إلى تحديد معيار نتفق عليه ونتناول الأسباب المعلنة وسير الأحداث بما منحنا الله من عقل وفؤاد لتبيان ما يحصل  يقول تعالى: “لا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا“..ويقول سبحانه في موضع آخر:  لايجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى“.

من البداية نريد أن نحدد بديهيات ينبغي أن لا نتزحزح عنها وأن تظل حاضرة طيلة عملية تحليلنا لأنها الضابط الناظم لموقف يجمع ولا يفرق يوحد ولا يشتت..

إن أول هذه البديهيات: أن الكيان الصهيوني قائم بقوة السلاح والظلم على أرض فلسطين قتل أهلها وشردهم واستباح المحرمات وانتهك المقدسات ولا يزال مستمرا في عدوانه ويتلقى في ذلك دعما غير محدود من قبل الإدارات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.. وإن كل الأعراف الدولية وقوانين الشرعية الدولية تؤكد الحق الفلسطيني وتدين الاحتلال والاغتصاب الإسرائيلي لفلسطين..

 ثانيا: أن الغرب الاستعماري ومنذ عدة قرون لم يتوقف في عدوانه بأشكال مختلفة لاستعمارنا بشكل مباشر بجنوده ومؤسساته أو غير مباشر من خلال التبعية والارتهان والقواعد العسكرية.. وهو لا يزال يقتل ويقصف ويحتل ويتصدى لأي محاولة سياسية أو مقاومة لاسترداد حقوقنا العديدة ومقدساتنا.. وهو يرفض مجرد السعي السلمي للتعبير عن مطالبنا بحقوقنا في فلسطين والوحدة والنهضة.

ثالثا: أنه ينبغي أن لا نفرق الأمة على قوميات واجتهادات فالعرب والأمازيغ والكرد والترك والفرس والسنة والشيعة والإباظية مسلمون.. لأن التفريق وإثارة النعرات القومية أو المذهبية والدينية يفسخ أمتنا بل ويفسخ دولنا ومجتمعاتنا فضلا عن أنه  يهيّئ الظروف ويقدم الخدمات الجليلة لأي فعل شيطاني ضدنا.. إنه وصفة استعمارية لتجزئتنا وتصارعنا وذهاب ريحنا..

رابعا: أن الحروب الداخلية في الأمة كانت نتاجا طبيعيا لتحالفات بعض الحكام العرب مع الغرب الاستعماري ومنذ الثورة العربية الكبرى في التصدي للخلافة العثمانية وإسقاطها وكما حصل في حرب الخليج الأولى والثانية وما تبع ذلك من إسقاط للعراق وتفسيخه وبعد ذلك إسقاط القذافي واحتلال ليبيا وتفسيخها والحرب الضروس على سوريا وتدميرهابالتأكيد لم يكن القذافي حاكما عادلا نزيها ولم يكن صدام رجلا ديمقراطيا كفؤا، ولم يكن نظام الأسد رحيما بالناس أو محترما لحقوقهم، ولم يكن العثمانيون صالحين ومتقدمين.. ولكن تحالفنا مع الغربيين لإسقاط هؤلاء أنتج لنا كوارث، فبعد سقوط العثمانيين ضاعت فلسطين وتم تجزئة بلاد العرب، وبعد سقوط صدام تناثر العراق وبعد سقوط القذافي هانحن نرى ما يجري في ليبيا وبعد دعم المسلحين في سوريا هانحن نرى سوريا خرابا.. بمعنى أننا لم ننل دولة عربية كبرى بعد سقوط العثمانيين ولم ننل حرية ونزاهة بعد سقوط القذافي ولم ننل ديمقراطية وكرامة وصونا لدمائنا بعد إسقاط صدام أو الحرب على الأسد.. بل عكس ذلك تماما هو ما حصل.

خامسا: ينبغي أن لا يغيب عن البال أن تدمير العراق وليبيا وسوريا وإسقاط الشرعيةفيها تم بغطاء رسمي عربي متحالف مع إرادة غربية.. واجتمع لذلك القرار الرسمي العربي والمال العربي بسخاء منقطع النظير.. في حين تم التخلي عن القدس وقضية فلسطين قضية العرب والمسلمين التي لا شبهة حولها..

بعد هذه الإشارات نطرح أسئلة على المشهد لعلها تسلّط الضوء على الزوايا الخفية منه وتكشف لنا الأصابع الخبيثة التي تحرك الممثلين على المسرح.. ولا بد لنا من إثارة هذه الأسئلة لاكتشاف حقيقة المواقف وخلفياتها.

السؤال الأول: لماذا وافقت الإدارة الأمريكية على تزويدعاصفة الحزمبمعونات معلوماتية ولوجستية بمثل هذه السرعة وبصمت هل لممارسة ضغوط سياسية في مسار المفاوضات مع إيران؟ أم لدفع المملكة العربية السعودية إلى دائرة الخطر كما أشار روبرت فيسك الكاتب البريطاني الشهير.. وهل بدأ المخطط الأمريكي لتقسيم المملكة كما تم مع إغراء صدام حسين لاجتياح الكويت فكانت بداية انهيار العراق؟

السؤال الثاني: كيف تمكنت الدول المتناقضة أن تتوحد بسرعة وتتشارك بجهد عسكري ضد مجموعات من الناس في بلد عربي.. كيف التقت مصر بتركيا والإمارات بتركيا وقطر بمصر مع المغرب والسودان وهكذا.. ما الجامع بين هؤلاء؟ لماذا توحدوا بهذه السرعة وتجندوا بجوار بعضهم البعض في حين نعيش مع أهل غزة حصارا وقتلا وتدميرا ولم يتحرك أي جهد عربي على مدار سنوات طويلة بل لعل البعض ساهم في تعقيد الحصار والتضييق أكثر على الفلسطينيين؟ هل فعلا لأن الحوثيين حلفاء لإيران؟ السؤال هنا لماذا لم تقم الطائرات العربية بقصف البارجات الإيرانية قبالة باب المندب؟ لماذا لم تسقط أسحلة الجو العربية الطائرات الايرانية التي حطت مرارا في مطار صنعاء؟ لماذا يتم استهداف الجيش اليمني بقواعده العسكرية ومنشآته الأمنية حتى السجون لم تسلم من القصف؟

السؤال الثالث: ألم يكن اليمن يعاني منذ سنوات عدة من تدمير لمكوناته ولقصف أمريكي متواصل للقبائل اليمنية ورفض التحاقه بمنظومة دول الخليج؟.. ألم يعاني اليمن بحكم خطورة موقعه الاستراتيجي من تهميش رسمي عربي؟

السؤال الرابع: أليس هناك من سبيل إلا القصف بالطائرات والقتل والجرح والتدمير.. ألم يكن هناك خيارات أقل ضررا وخطرا.. لماذا يتم الفرز بهذا العنف؟ ألم يكن هناك فرصة تدخل عربي حتى بقوات مشتركة لفرض الأمن والاستقرار في اليمن والوقوف من اليمنيين على مسافة واحدة كما حصل ذات يوم مع القوات العربية المشتركة في لبنان مع هشاشة التجربة؟

السؤال الخامس: هل تأمن الدول العربية لاسيما السعودية من اندلاق نار الحرب الداخلية من اليمن نحو مناطق عدة بالمملكة السعودية لاسيما واليمنيون ينتشرون في مفاصل الحياة السعودية كما أن الشعب السعودي يتكوّن من مكوّنات مناطقية ومذهبية قد تجد في اندلاع الحرب فرصة لها في الاشتباك.. ألم يكن بإمكانهاحرصا على أمنها الداخليأن تتجنب أي اصطفاف سياسي في اليمن ينعكس على مكوناتها؟

بعد هذه الأسئلة وتلك الإشارات التي تثير الشرعي والسياسي معا في وجه الواقع، نريد أن نجنب حديثنا هنا عصبيات أصابت بعض المتحدثين عما حصل، فبعضهم هاجت مشاعره القومية وجنح به الخيال أن العرب ثاروا لكرامتهم القومية بعد استفزازات ايران لهم.. وبعض المتحدثين أصابته حالة نشوة وهو يرى جيوش وطائرات العرب تشترك في معركة واحدة ضد الحوثيين فظن أنها قيامة العرب.. فالحوثيون يمنيون عرب اصلاء جزء من الشعب اليمني مهما كان تجاوزهمبعكس الصهاينة في فلسطينوهم لن يستطيعوا تغيير طبيعة الأرض ولا الناس المخالفين لهم في الاجتهاد أو السياسة، أما الصهاينة فهم أعداء غرباء لصوص مجرمون يغيرون المعالم ويدمرون المقدسات ويستوطنون الأراضي؟ فمن كان الأولى بحشد قوات عربية مشتركة لمحاربته؟ نحن نسأل ونعرف الإجابة ولكن من باب إلقاء الحجة.

هل كان تدمير العراق وهو أحد أهم مقومات الوجود العربي بحجم خطأ صدام حسين في اجتياحه للكويت والذي كان بالإمكان تصحيحه.. وهل تدمير اليمن وهو أرومة العرب وركنهم الأصيل بحجم خطأ الحوثيين في تمددهم والذي كان يمكن البحث عن وسائل لإرجاعه إلى حجمه.. ومن تدمير العراق إلى تدمير اليمن هل كان تدمير ليبيا وسوريا بحجم تجاوزات القذافي والأسد؟..

 

وكما لم تنجح كل المحاولات السابقة في العراق وليبيا وسوريا إلا بزرع الفتن بين أهلها واحتراب أبناء البلد الواحد.. فلن يكون في اليمن إلا أن يتحول إلى مصدر قلاقل للمنطقة كلها وتهديد أمني حقيقي على الجوار وباب المندب حتى يتوحد اليمنيون وهم أهل حكمة وتاريخ وهم أول من أسس للشورى والحكم بالتشارك.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة