الرأي

عالمٌ بغير معالم اليوم

عمار يزلي
  • 358
  • 0

الدورات الحضارية التي تحدّث عنها المؤرخون وعلماء الاجتماع والسياسية، من الكتابات السومرية، إلى “ابن خلدون” إلى “فيكو” إلى “شبنجلر” إلى “فوكوياما”، إلى آخر علماء التغير والتحول الحديث، وهم كثّر، الكل يجمع على أن التغير الدائري أو اللولبي، هو قانونٌ يخضع له الجميع من الأسرة إلى الكون.

العلاقة بين البشر والطبيعة بكل مكوِّناتها المناخية والجغرافية والبيئية وتأثير الفضاء والتفاعل بين الجميع، هو محرِّك هذه التغيرات التي لا مناص ولا مفرَّ منها، ومن ثمّ، مسألة التنبؤات أو النبوءات هي تحصيل حاصل: هي القدرة على فهم الماضي السحيق وقوانين التحول والتبدل والتغير على مسار التاريخ الإنساني والكوني بشكل عامّ، ومنذ ملايين بل وملايير السنين، منذ نشأة هذا الكوكب الأزرق الذي نعيش فيه.

على مرّ التاريخ السحيق، كان هذا القانون وهذا الناموس الكوني من تسيير وفقه الأكوان كلها والفضاءات كلها، سواء تلك الفضاءات البعيدة غير المتناهية أو تلك الفضاءات الإنسانية الجغرافية المحيطة بنا وعن قرب منا.

الزمن ليس واحدا والحاضر هو الماضي وهو المستقبل إذا ما فهمنا بأن الأزمنة تختلف باختلاف الأبعاد الكونية وبُعدنا عن الشمس والقمر وهي مصادر التوقيت وحساب الزمن بالساعة والفصول والسنوات عندنا. هذا النظام الستيني الذي تحدثت عنه حتى الألواح السومرية وطبِّق هذا التقويم في كل حضارات ما بعد الكتابة وبالتأكيد حتى ما قبل التاريخ لدى الإنسان العاقل على الأقل.. الهوموسابيانس.

انطلاقا من هنا، ما نتحدّث اليوم عنه ونؤكد أننا نعيش حالة “انقلاب زمني”، حضاريًّا، فهذا يعني أننا على بوابة ما يسمى “الساعة الحرجة”، أي تلك اللحظة الحاسمة في مسألة الانتقال والتحول من حالة إلى حالة في المواد العضوية والفيزيقية، كما في اللحظات الإنسانية: ولادة بشرية أو ولادة حضارية تاريخية اجتماعية، لا فرق. هذه اللحظة أو الساعة، لا تعني زمنيًّا ما تعنيه لفظيًّا، فقد تكون بداية لمرحلة انتقالية قد تدوم أربع سنوات أو سبعا أو عشرا، في حالة التحولات الاجتماعية السياسية الاقتصادية. المراحل الانتقالية هي تلك الساعة الحرجة التي تتحدّث عنها “النبوءات” السومرية منذ القِدم وما قبلها بالتأكيد، لكون الحضارة السومرية هي الأخرى لم تأت من فراغ وهي تشير إلى تفاعل الأرض مع السماء في اكتساب العلم والمعرفة بالزراعة والطب والفلك وبالقانون البشري. هذا ما يشير إليه “حمورابي” نفسه في شرائعه البابلية وريثة الأسلاف السومريين.

هذه القوانين ذاتها التي تتحدث عن تلاقي السماء بالأرض في اكتساب المعرفة، أكدتها فيما بعد الكتب السماوية والوحي الإلهي. الإنسانُ لم يخترع ولم يكتشف كل شيء من عنده، ولم يفهم كل شيء من دون مُلهم. الحداثة الغربية هي من أنكرت هذا القانون الكوني وهذه الحقيقة التي سار الكون من حولنا جميعا وفق قواعدها، لا تتغير إلا بتغيرنا ولا تتبدّل إلا بتبدُّلنا وتبدُّل أحوالنا وأعمالنا، مُحدثة خللا في النسق الكوني ككل أو محدثة تفاعلات سلبية أو إيجابية والتي بمقتضاها يتغير الكون والفضاء ومن حولنا ويتغير التاريخ وتتغير الحضارات وتسقط دول وأمم وتنهض أخرى بالقانون نفسه، والتي تخضع هي الأخرى للقاعدة الكونية ذاتها.

من سقوط حضارة ما قبل السومريين إلى انهيار حضارة بابل الكلدانية، إلى قوة الفرس إلى سقوط حضارة الفرس على يد الإسكندر إلى انهيار إمبراطورية الإغريق ثم الرومان الذي احتلوا العالم، إلى اجتياح الفتوحات الإسلامية ثم إلى سقوطها، إلى اليوم، القانون نفسه والقواعد ذاتها.

واليوم، وليس أبعد من نصف قرن قادم، لن يكون هذا العالم اليوم بالمعالم نفسها.

مقالات ذات صلة