الرأي

عالم بلا أسرار!

رشيد ولد بوسيافة
  • 1630
  • 0

القنبلة التي تم تفجيرها قبل أيام بأكبر تسريب للوثائق في التاريخ، وبغض الطّرف عن الخلفيات السياسية والقراءات التي أعطيت، فإنّها بمثابة ضربة قاضية للفاسدين في دول العالم الثالث، الذين حولوا أموالا طائلة على مدار أربعين عاما واستثمروها في شركات وهمية في دول تعتبر ملاذات ضريبية غالبا ما تستقبل أموالا وسخة ناتجة عن عمليات فساد مالي أو اتجار في المخدّرات أو غيرها من الأنشطة المشبوهة.

“أوراق بنما” التي تفوق في كميتها تسريبات “ويكيليس” بأكثر من ألف مرة، أثبتت مرة أخرى أنّ العالم لم تعد به أسرار، وأن الفاسدين الذين ينخرون اقتصاديات بلدانهم والذين لا تطالهم أنظمة الرقابة والمحاسبة في بلدانهم إما لضعفها أو لاستفحال الفساد وعدم كفاءة الأنظمة القضائية، هؤلاء الفاسدين سينكشفون عاجلا أم آجلا، وتخرج فضائحهم للعلن في تسريب واحد مماثل لتسريب بنما.

سيفكر الفاسدون ألف مرة قبل مد أيديهم لأموال الشعوب، أو الدخول في علاقات مشبوهة مضرة بأوطانهم، لأنه لم تعد هناك أسرار في العالم، وهو بالضبط ما حدث مع “ويكيليكس” الذي فضح أولئك الذين لم يكونوا يتورّعون عن تقديم المعلومات الحساسة عن بلدانهم للسفارات الأجنبية، كما فضح الأنظمة التي لم يكن همها خدمة الشعوب وإنما خدمة القوى الأجنبية لضمان البقاء في الكرسي.

لكن المثير فعلا هو أن بلدان العالم المتقدم والتي وردت بعض أسماء مسؤوليها أو مشاهيرها في “أوراق بنما” سارعت إلى فتح تحقيقات لمعرفة الملابسات وإثبات براءة المذكورين أو تورطهم في الفضيحة، أما في العالم الثالث وفي العالم العربي تحديدا، فيسود صمت القبور على الفضيحة وكأن الأمر لا يتعلق بأموال تم نهبها واستثمارها بشكل مشبوه من قبل مسؤولين فاسدين لازال الكثير منهم في مناصب المسؤولية.

ومع ذلك فمن الواضح أن “أوراق بنما” لم يتم تسريبها حرصا على مصالح شعوب العالم الثالث، ولا خدمة للشفافية والأعمال المشروعة، وإنما جاءت في سياق صراع دولي محتدم بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بدليل أن التسريبات لم تأت على ذكر مسؤول أمريكي واحد فاسد، وفي المقابل استهدف المقربون من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو ما ذهب إليه موقع ويكيليكس الذي أشار إلى أن مشروع “أوراق بنما” تلقى تمويلا مباشرا من الحكومة الأمريكية، وأن نشر البيانات لم يكن مثل “ويكيليكس” وإنما تم بشكل انتقائي وهو ما يضرب مصداقية “أوراق بنما” في العمق.

مقالات ذات صلة