الرأي

عام الجماعة بقلم حمروش

حبيب راشدين
  • 5529
  • 12

لأول مرة منذ بداية انشغال المواطنين الفاتر بالرئاسيات، يفاجئنا “العقل المدبر” بجملة سياسية مفيدة، هي أهل لكي يلتفت إليها العقلاء، ولا يعاملوها بجهل كما تعاملت معها الطبقة السياسية وكأنها لا حدث، فيما تكون قد شكلت مع رسالة الرئيس في يوم الشهيد، الحدث الأبرز قبل أسبوعين من حسم مسار الترشح للرئاسيات.

فقد جاءت رسالة السيد مولود حمروش مفاجئة، من حيث دقة التوقيت الذي اختير لها، ومن حيث المضمون السياسي المكثف المدروس بعناية، بعبارات موجزة منحوتة ببراعة، ومن حيث التحديد الدقيق للأطراف المخاطبة.

قد يكون من السابق لأوانه اعتبار الرسالة كمؤشر قوي عن وجود نية عند السيد حمروش للترشح، لكنها قدمت في الحد الأدنى وصفة محترمة لما كنا ننتظره من أي مرشح لهذا المنصب الرفيع يحترم عقل المواطن، لا يتجاهل الأزمة المركبة المستديمة التي يعرفها النظام، ولا تطلعات المواطنين لبناء دولة حديثة محترمة.

يكفي السيد حمروش أنه لخص الرهانات المتصلة بالرئاسيات القادمة في جملة مفتاحية مبتكرة ختم بها رسالته تقول: “لكل أزمة ضحاياها وفرصها.. فيجب تفادي تضييع هذه الفرص، وتسجيل ضحايا جدد”.

وقد حق للسيد حمروش أن يواجه النظام ومكونات الطبقة السياسية بهذه الحقيقة، لأنه لم يتهرب من اقتراح الحلول الممكنة والمتاحة، التي تحتاج في المقام الأول إلى تحقيق الإجماع، الذي من أهم شروطه بناء توافقات تعمل بالضرورة تحت سقف الحفاظ على الهوية والمشروع الوطني.

وقد حرص في هذا السياق على لفت الانتباه إلى دور المؤسسة العسكرية التاريخي في قيادة هذه التوافقات حتى حصول الإجماع الذي تحتاجه كل مرحلة، ويكفل صيانة المشروع الوطني.

الرجل لم يقفز على معطيات الواقع، ولم يدعو إلى ثورة، ولا حتى إلى تغييرات جوهرية قد تقلب الطاولة على النظام والمجموعات المستفيدة، ولم يعد البلد بأكثر من التفكير الجدي في بناء دولة حديثة، والتعهد بمواصلة المسار الديموقراطي، والوفاء بوعود الإصلاحات، شريطة أن تقبل السلطة بمعاشرة سلطة مضادة، وبإخضاع ممارساتها للقانون وللرقابة.

ربما يكون السيد حمروش قد سفه بلباقة مجمل مكونات الطبقة السياسية، من الموالاة والمعارضة، حين نقلها من دائرة التلاسن الأحمق حول ترشح الرئيس من عدمه، إلى التفكير بعقلية التوافقات والإجماع، لمواجهة “الأوقات الحساسة التي يواجهها البلد” والتي ستؤثر على مستقبلها مع وصول أجيال جديدة إلى مناصب المسؤولية. وربما لأجل ذلك لم يلتفت إلى أعراض الأزمة، بقدر ما أراد للطبقة السياسية وللسلطة أن يتوقفوا عند منشئها وأصولها في المصب، أي في امتناع أو تأخر بناء الدولة الحديثة، بسلطة تخضع للمساءلة القانونية، ولرقابة السلطة المضادة.

رسالة السيد حمروش تأخذ معناها أكثر حين تعكف الطبقة السياسية على قراءة رسالة الرئيس بوتفليقة بمناسبة يوم الشهيد، فقد يقتنعون وقتها أن الأزمة قد انتهت إلى توافقات في مكان ما، أغلقت في الحد الأدنى مسار شق الصف داخل المؤسسة العسكرية، وربما أغلقت معه مسار العهدة الرابعة، وقد يكتشفون أكثر من مشترك بين جمل ومفردات الرسالتين لكتابة جملة عام الجماعة. 

مقالات ذات صلة