الرأي

عام الجماعة لمواجهة سنين المجاعة

حبيب راشدين
  • 5054
  • 0

في عالم حولته العولمة إلى قرية بلا حدود، المصالح والأعمال والمبادلات فيها متداخلة متشابكة، لم يعد بوسع أي دولة مواجهة الأزمات الداخلية من غير احتساب بتأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية المتفاقمة التي تدخل مع نهاية السنة عامها العاشر، دون بروز أي مؤشر ذي شأن يعد بقرب انفراجها، وليست الجزائر استثناء حتى يتوهم بعضنا أن تغيير رئيس الحكومة ولا حتى رئيس الدولة كاف لتصحيح المسار وتدارك الأخطاء التي تراكمت على امتداد عقدين أو أكثر.

ومع التسليم بحاجة البلد إلى إصلاحات عميقة ومؤلمة، وإلى تجديد النخب إن أمكن، فإن فرص الإصلاح ممتنعة اليوم كما كشفته المواجهة القصيرة حول شعار الفصل بين المال والسياسة، كما أن فرص تجديد النخب تكاد تكون معدومة حتى لو توفرت الإرادة عند من بيده القرار لأن تجديد النخب يشترط وجود نخب بديلة ذات كفاءة مهيأة علميا وسياسيا لاستلام القيادة وضمان استمرارية الدولة وديمومة السلم الاجتماعي.

فمن تحصيل الحاصل أن النظام قد فشل في المهمتين، أو إنه لم يكن مستعدا للمجازفة بالإصلاحات وبتجديد النخب والكوادر حين كان يملك الوقت والوسيلة، وهو اليوم مجبر على تدوير ما بين يديه من كوادر وقيادات، كما هو مجبر على الاتكاء حصرا على ملاحقه المنظمة المؤتمنة في المشهد السياسي والنقابي والإعلامي، ولا يملك قدرا من الثقة في النفس حتى يوسع هذه القاعدة بالانفتاح سواء على المعارضة أم على الكفاءات التي لم يختبر ولاءها.

من جهتها، تتحمل قوى المعارضة جانبا من المسؤولية حين انخرطت منذ بداية التعددية في سباق محموم يائس على مواقع الحكم دون إعداد العدة: ببرامج حكم بديلة، ونخب جديدة مدربة أو على الأقل مسلحة بالمعلومة، مدركة لتعقيدات إدارة الدول في عالم فقدت فيه الدول كثيرا من السيادة وحرية القرار.

الطرف الثالث في المعادلة، وأعني به عموم المواطنين، لم يمنح نفسه طوال العقدين الأخيرين فرصة التأثير على النخب في السلطة كما في المعارضة عبر المسارات الانتخابية، التي ظل يتعامل معها ومع نتائجها بكثير من الاستخفاف، وكأنه غير معني بتبعاتها، حتى وإن كان التزوير القبلي لقوائم المرشحين، والتزوير اللاحق للصناديق قد حرمه حتى من فرص التمييز بين السيئ والأقل سوءا.

وحيث الأمر كذلك فقد وجب علينا اليوم، تحسبا للسنوات الخمس القادمة الحبلى بكوارث عالمية غير مسبوقة، أن نتوافق على صفقة تاريخية مؤقتة، محكومة بدفتر شروط ملزم للسلطة وللمعارضة كما لعموم المواطنين، ليس لتنفيذ إصلاحات لا نملك اليوم أدواتها وشروطها، ولكن لتوفير الحد الأدنى من الحماية لما هو قائم، وتسليح البلد لمواجهة الفوضى الخلاقة القادمة التي لن يسلم منها بلد، وهي وشيكة بل هي قائمة يتم التعتيم عليها، ولا أحد يعلم أين سيكون مركز رجفتها الأولى، وانتشار رادفاتها في هذا العالم المفتوح المتشابك.

من يتابع تراكم غيوم الإعصار العالمي الرهيب القادم الذي قد ينفجر مطلع السنة القادمة يعلم أن أولويات الحكومة أيا كانت سوف تتلخص في بند أو بندين: ضمان الرغيف لأربعين مليون جزائري في بلد فشل حتى الآن في تحقيق نسبة أمنة من الاكتفاء الغذائي، وحماية حدود البلد ليس من الإرهاب، بل من قوافل الجياع الوافدين من الجنوب، ومن المطرودين من الفردوس الأوروبي المرشح هيكله للخراب. 

مقالات ذات صلة