العالم

عام على 7 أكتوبر.. هل نجح “طوفان الأقصى” في إغراق الكيان؟

محمد فاسي
  • 546
  • 0
ح.م
طوفان الأقصى

في صباح يوم السابع من أكتوبر 2023، حققت المقاومة الفلسطينية إنجازًا عسكريًا نوعيًا أثار الإعجاب والدهشة في آنٍ واحد. حركة المقاومة الإسلامية حماس شنت هجومًا مباغتًا على مستوطنة “نتيف عشرة”، ضمن إطار عملية “طوفان الأقصى”، مستهدفة أركان الكيان الصهيوني وقلبه.

الهجوم، الذي أوقع 15 قتيلاً من سكان المستوطنة، يُعد مثالاً حيًا على صمود المقاومة في وجه آلة الحرب الصهيونية ومحاولة التخلص من الظلم والاحتلال. وبمرور عام على هذا الإنجاز العسكري، لا يزال تأثير الهجوم حاضرًا في كل نقاش حول مستقبل الصراع.

نتيف عشرة.. الاستيطان على أرض مغتصبة

نتيف عشرة، المستوطنة الزراعية التي أُنشئت عام 1982 على أرضٍ فلسطينية مغتصبة، كانت على الدوام في قلب الصراع بين الحق الفلسطيني والاحتلال الصهيوني. تقع المستوطنة على بعد 400 متر فقط من بيت لاهيا، وهي رمز للسياسة الاستيطانية الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير ديموغرافية الأرض الفلسطينية وطرد السكان الأصليين. على مدار سنوات، عانى سكان المستوطنة من الهجمات المتكررة التي شنتها المقاومة الفلسطينية، والتي كانت تستهدف تسليط الضوء على حقوق الشعب الفلسطيني واستعادة أراضيه المغتصبة.

الهجوم.. ضربة مزلزلة في قلب المستوطنات

في السابع من أكتوبر، وفي الوقت الذي كان الصهاينة يحتفلون بعيدهم الديني، اقتحمت مجموعات من مقاتلي حماس مستوطنة نتيف عشرة، قادمة من قطاع غزة. باستخدام المظلات، تمكن المقاومون من اختراق التحصينات، والتحرك بين المنازل، حيث قتلوا 15 صهيونيًا من سكان المستوطنة، بينهم أفراد من نفس العائلة. هذه العملية لم تكن عشوائية بل كانت جزءًا من خطة محكمة في إطار عملية “طوفان الأقصى”، التي جسّدت تصاعد قدرة المقاومة على ضرب العمق الصهيوني.

كان نجاح هذه العملية بمثابة رسالة واضحة من حماس إلى العالم: أن إرادة الشعب الفلسطيني لا يمكن كسرها، وأنه مهما كانت محاولات الاحتلال لقمع المقاومة، فإن إرادة التحرير تبقى قوية ومتجددة. أفراد العائلات الصهيونية الذين قُتلوا كانوا جزءًا من منظومة الاحتلال، واستهدافهم يأتي في سياق رفض الشعب الفلسطيني للاحتلال ورفضهم للاستيطان غير الشرعي.

التكتيكات الجديدة.. المظلات وتكتيك الحرب الخاطفة

استطاعت حماس في هذه العملية أن تُظهر تطورًا نوعيًا في تكتيكاتها العسكرية. لم تعتمد الحركة على الأساليب التقليدية فقط، بل لجأت إلى استخدام المظلات كوسيلة غير متوقعة للتسلل إلى المستوطنة. هذا الابتكار في أسلوب القتال يعكس مدى الإصرار والقدرة التنظيمية للمقاومة الفلسطينية، التي تسعى دومًا لتطوير وسائل جديدة لضرب الكيان الصهيوني في عقر داره.

العملية كانت سريعة وفعّالة، حيث تمكن المقاومون من الانتشار بسرعة بين المنازل وتنفيذ ضرباتهم بدقة. كان العنصر الأساسي في هذا النجاح هو عنصر المفاجأة، مما أربك الاحتلال وأدى إلى خسائر فادحة في صفوف المستوطنين.

الأثر المعنوي والسياسي للهجوم

لم يكن الهجوم على نتيف عشرة مجرد ضربة عسكرية، بل كان له تأثير معنوي عميق على الشعب الفلسطيني. لقد أعادت هذه العملية الأمل في نفوس الشعب المقاوم، مؤكدةً أن المقاومة هي الطريق الوحيد للتحرر من الاحتلال. استهداف المستوطنين بهذا الشكل المباشر زاد من الوعي بأهمية المقاومة المسلحة كخيار وحيد أمام الشعب الفلسطيني في مواجهة الكيان الصهيوني.

إلى جانب الأثر المعنوي، شكل الهجوم ضربة كبيرة للمنظومة الأمنية الصهيونية، التي لم تستطع التنبؤ بهذا الاختراق النوعي. مما دفع الكيان إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة بعد العملية، لكن ذلك لم يخفف من الشعور بالعجز في مواجهة قدرة المقاومة على الوصول إلى العمق.

الرد الصهيوني واغتيال إسماعيل هنية

في 31 جويلية 2024، اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ورئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق، في طهران خلال زيارته لحضور مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد. لقي هنية حتفه إلى جانب حارسه الشخصي، ويُعتبر اغتياله من أكبر الخسائر التي تعرضت لها حماس منذ اندلاع عملية “طوفان الأقصى”. لا تزال تفاصيل عملية الاغتيال غامضة، حيث لم تعلن إيران بعد عن نتائج التحقيق.

كان هنية شخصية بارزة في حماس، عُرف بدوره الدبلوماسي في تعزيز مكانة الحركة. تعرض لعدة محاولات اغتيال في السابق، وعُرفت عائلته بمآسيها في الغارات الإسرائيلية. بعد عملية “طوفان الأقصى”، أعلنت إسرائيل عن خطط لاستهداف قادة حماس، مع اغتيالات سابقة بارزة في لبنان.

بعد الإعلان عن الاغتيال، أدانت القوى الفلسطينية ذلك وخرجت مظاهرات في الضفة الغربية. إيران توعدت بالانتقام، حيث اعتبر المرشد خامنئي الاغتيال واجبًا على الدولة الإيرانية للرد عليه. وفي الوقت نفسه، اعتبرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن هذا الاغتيال يمثل فشلاً استخباراتياً للنظام الإيراني، بينما تشير التقارير إلى أن طريقة الاغتيال قد تكون ضربة صاروخية أو عبوة ناسفة. وردًا على اغتيال هنية، أطلقت إيران مساء يوم الأول من أكتوبر 2024 وابلًا من أكثر من 200 صاروخ باليستي نحو الكيان الصهيوني في هجوم غير مسبوق، مما أدى إلى دعوة الخارجية الإسرائيلية للسكان للتوجه إلى الملاجئ.  حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني أن الهجوم استهدف مواقع عسكرية مهمة في الأراضي المحتلة، محذرًا من أن أي رد إسرائيلي سيقابل بهجمات أكثر قوة. في المقابل، أغلقت إسرائيل مجالها الجوي وأصيب ثلاثة أشخاص نتيجة الهجمات، في حين أعلنت المصادر عن استعدادات عسكرية إسرائيلية لمواجهة الهجوم.

ارتفاع حصيلة الضحايا واستمرار المقاومة

الهجوم على نتيف عشرة كان جزءًا من سلسلة عمليات أوسع نفذتها المقاومة الفلسطينية ضمن إطار طوفان الأقصى. نتيجة لهذه العمليات والرد الصهيوني العنيف، ارتفعت حصيلة الضحايا الفلسطينيين إلى 41 ألفًا و870 شهيدًا، بين مدنيين ومقاومين. وحوالي 17 ألف طفلا في غزة فقدوا عائلاتهم بشكل كامل، هذا الرقم المفزع يسلط الضوء على حجم المعاناة التي يتحملها الشعب الفلسطيني في سبيل الحرية والكرامة، لكنه في الوقت ذاته يُظهر مدى استعدادهم للتضحية من أجل تحرير أرضهم.

الدبلوماسية الجزائرية ودعم فلسطين في الأمم المتحدة

تلعب الدبلوماسية الجزائرية دورًا محوريًا في دعم القضية الفلسطينية على الساحة الدولية، خاصة في الأمم المتحدة. الجزائر، التي تعتبر من أوائل الدول التي دعمت حقوق الفلسطينيين، تواصل تقديم الدعم السياسي والإنساني لفلسطين في مختلف المحافل الدولية. تسعى الجزائر إلى تعزيز موقف فلسطين، وتعمل على حشد التأييد العربي والدولي لصالح حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

على مدار السنوات، قدمت الجزائر العديد من المبادرات في الأمم المتحدة لحث المجتمع الدولي على اتخاذ خطوات فعالة لحماية حقوق الفلسطينيين، وفضح انتهاكات الكيان الصهيوني. كما تُعبر الجزائر عن موقفها الثابت في دعم المقاومة الفلسطينية، معتبرةً أن الحرية لا تأتي إلا من خلال النضال المستمر.

المقاومة مستمرة.. والكيان الصهيوني في مأزق

مرور عام على هجوم نتيف عشرة يؤكد أن حركة حماس استطاعت أن تُرسي دعائم مقاومة قوية ومستمرة، وأن ضرباتها النوعية قادرة على إرباك الكيان الصهيوني. لقد بات واضحًا أن المقاومة هي السبيل الوحيد لوقف الاستيطان ومواجهة الاحتلال.

وفي الذكرى الأولى لأحداث 7 أكتوبر، نشر الجيش الصهيوني بيانات تكشف حجم خسائره وحصاد عملياته في مختلف الجبهات وعدد عمليات الإطلاق التي تعرض لها الكيان. وأفادت البيانات بسقوط 727 جنديا صهيونيا منذ بداية الحرب، منهم 345 مقاتلا ومقاتلة واحدة قتلوا منذ بداية المناورة البرية في غزة، وسقط 9 منهم في معارك جنوب لبنان، بينما سقط 56 جنديا في حوادث مختلفة، منهم 28 قتلوا بـ”النيران الصديقة”. ومنذ بداية الحرب أصيب 4576 جنديا صهيونيا، منهم 2299 في غزة، وهناك 29 مقاتلا في المستشفى في حالة خطيرة ، منهم 151 في حالة متوسطة و16 في حالة خفيفة.

ورغم التحديات والضغوط الدولية، استمرت حماس في تطوير أساليبها القتالية، مما جعلها قادرة على مواجهة الكيان الصهيوني بشكل فعال. من جهة أخرى، يجد الكيان الصهيوني نفسه في مأزق سياسي وعسكري، حيث لم يعد قادرًا على حماية مستوطناته من ضربات المقاومة المتتالية.

الدروس المستفادة ومستقبل المقاومة

هجوم نتيف عشرة يعكس مدى قوة حماس وتطورها على مستوى التكتيك العسكري والتنظيمي. العملية أظهرت أن حماس باتت قادرة على تنفيذ عمليات نوعية تتحدى القوة العسكرية الصهيونية وتضرب في العمق. الدرس الأهم من هذا الحدث هو أن المقاومة هي خيار الشعب الفلسطيني الوحيد في مواجهة الاحتلال، وأن الصراع سيستمر حتى تحقيق التحرر الكامل.

هجوم نتيف عشرة ليس مجرد صفحة في تاريخ الصراع الفلسطيني-الصهيوني، بل هو محطة هامة تؤكد أن حماس قادرة على إحداث تغيير حقيقي في مسار المواجهة. مرور عام على هذا الهجوم يعيد التأكيد على قوة المقاومة وعزيمتها التي لا تلين في مواجهة الاحتلال الصهيوني. في النهاية، يبقى هدف الشعب الفلسطيني واضحًا: التحرر الكامل من الاحتلال، واستعادة حقوقه المشروعة على أرضه.

مقالات ذات صلة