الرأي
حكاية الفنان العالمي الجزائري الراحل…

عبدالقادر فرَاح.. هكذا حول التراث الجزائري إلى فن عالمي

عمر أزراج
  • 2496
  • 2

أبدأ الآن في تلمس الدروب لكي أسرد حيثيات لقائي بالفنان الجزائري العالمي عبد القادر فرَاح بلندن في عام 1987 وبعد ذلك بسنوات مات ودفن غريبا في إحدى مقابرها وحزنت لذلك حزنا كبيرا ولاتزال كدماته تحفر تضاريس ذكرياتي وقلبي.

لقد سجلت تفاصيل حديثي هذا مع الفنان فراح في عدة جلسات باللغة الانكليزية نزولا عند رغبته، وقد فضل ذلك لكي يعبر بسلاسة عن تجاربه باللغة التي يزاول بها العمل ويصدح بها مثلما كان يصدح بها شكسبير وملوك انكلترا. أذكر أنني قد دعوته إلى تسجيل المزيد عن ذكرياته، وتفاصيل تكوينه الثقافي والفني والمنعرجات التي سار فيها إنتاجه وحياته في فرنسا وبريطانيا، وكذا تجاربه المختلفة. وبالفعل فقد استجاب فرَاح لدعوتي وقام بعمليات التسجيل وحسب علمي فإنه ترك ما سجله بخصوص سيرته الذاتية الثقافية والحياتية والفنية عند ابنته ليلى التي اشتغلت ولاتزال في الصحف البريطانية كصحافية متميزة منها صحيفة “الغارديان” الشهيرة، و”سكوت سمان” بأسكتلندا، ولكن لا أعلم الآن ماذا فعلت بتلك التسجيلات حتى الآن.

أذكر أنني بعد افتراقي مع الفنان فرَاح بعد انهاء جزء من حديثنا في اليوم الأول توجهت إلى شقتي بمنطقة “إيرلز كورت” غير البعيدة سوى بأقل من ثلاث أو أربع كيلومترات عن حديقة هايدبارك، وعن منطقة “نوتينغهيل غايت” التي اشتهرت فيما بعد بفيلم دارت أحداثه فيها ويحمل اسمها. في ذلك الليل الطويل قد حاولت اصطياد أذيال النوم عبثا، وجرَاء ذلك صرت فريسة للأرق حتى مطلع الخيوط الأولى من بياض جبَة الفجر.

لم يؤازرني في أرقي سوى موسوعة استعرتها من الفنان فرَاح ورحت أقلب صفحاتها وأقرأ عن حياة وإنجازات الشخصيات العالمية، وفجأة برز اسمه فيها. في هذه الطبعة الثانية من موسوعة مصممي القرن العشرين الصادرة في لندن، وشيكاغو في عامي 1982 و1992 لم يرد ذكر لأي فنان عربي سوى اسم عبد القادر فرَاح كممثل للعالم العربي. من بين المعلومات التي تضمنتها هي أن فراح قد انضم في عام 1962 إلى فرقة شكسبير الملكية البريطانية بدعوة منها، ومنذ ذلك الوقت كان المسرحي الوحيد من جنسية غير بريطانية في هذه الفرقة، وفضلا عن ذلك قد تم الترحيب به في هولندا، وفرنسا، وتونس، وأمريكا، وألمانيا، والنمسا، والمكسيك، وايطاليا، وكوريا الجنوبية.

خلال نشاطه الفني نال فرَاح عدة جوائز دولية في كل من فرنسا، وبريطانيا، وأمريكا، والنمسا وغيرها من البلدان تقديرا لموهبته وإنجازاته في حقل التصميم المسرحي على نحو خاص. لقد علمت من فرَاح شخصيا أنه عمل مستشارا في ميدان المعمار المسرحي، وباعتباره مدرسا للسينوغرافيا (فن تصوير المشاهد)؛ فقد عمل أيضا كمسؤول على 290 مشروع في مختلف معاهد التكوين المسرحي في فرنسا، وكندا، وبريطانيا، وأمريكا. هذا فقد أشرف على تكوين عشرات الطلاب والطالبات وذلك لتهيئتهم لنيل الماجستير، وشهادة الإجازة في (فن تصوير المشاهد المسرحية).

بعد مضي أسبوع كامل على لقائنا الأول التقيت بفرَاح في جلسة ثانية ببيته دائما لمواصلة الحديث عن سيرته الفنية، وفي هذا اللقاء الثاني حدثني عن معاناته مع بعض البلدان التي عرض عليها إمكانياته دون جدوى، كما حدثني عن علاقته بالتراث العربي – الإسلامي، وعن خيبته من بلده الجزائر. أترك رواية ما يتعلق بما حدث له من خيبات جارحة ومؤلمة، على أيدي وزير الثقافة المغربي سي علالو ناصر، ووزير الثقافة الجزائري بوعلام بالسايح، والمسرحي الجزائري مصطفى كاتب الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب مدير المسرح الوطني الجزائري،إلى الحلقة القادمة وذلك لإعطاء هذا الموضوع حقه.

أسبق أولا باستعراض ما جرى بيننا من حديث حول طفولته وحياته الأولى ونقاط التحول التي غيرت مساراته، وبهذا الخصوص فتح لي فراح شبابيك ذكرياته واسعة لأطل منها على هذا المسرح والطقوس التي دارت فيه: “ولدت في قصر البخاري في عائلة تتكون من عشرة أطفال، وكان أبي يعمل كاتبا عموميا، ويتمتع بمعارف قضائية أهلته أن يمارس وظيفة القاضي، ولكن دون ترخيص رسمي.

كان والدي يكرس جل وقته لمساعدة الناس على حل مشكلاتهم الاجتماعية التي تعترض سبيلهم عند الزواج أو الطلاق أو غيرها من الحالات الاجتماعية الأخرى. أما أمي فقد انحدرت من عائلة كانت تملك “زاوية”، يدرس فيها الشباب حينذاك القرآن والفقه الإسلامي. في مرحلة 1930 كنا نقضي الصباحات في الكتّاب “الزاوية”، لحفظ القرآن الكريم، وهكذا تعلمنا الكثير من السور والآيات القرآنية، دون أن نفهم منها شيئا يذكر. وفي الفترة المسائية، كنا ندرس في المدارس الفرنسية، واستمر إيقاع حياتي على هذا المنوال حتى بلغ عمري 17  سنة، ثم تحولت إلى معهد التجارة والصناعة بالجزائر العاصمة، ثم درست في معهد بوفاريك. في الجزائر العاصمة اشتغلت عند مهندس معماري، وفي تلك الفترة تعرفت على الرسام الجزائري المغفور له “عمر راسم”، الذي شجعني كثيرا سواء بلطفه الذي لا ينسى، أم بشروحه للرسومات واللوحات الفنية، أم بتوفير أدوات الرسم التي كنت لا أستطيع شراءها لعدم توفر المال الكافي لدي.

درست الفن بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالعاصمة، ومن ثم اشتغلت عند مهندس معماري آخر. تركت العاصمة إلى الجنوب الصحراوي الجزائري وطفت حوله، وعندما عدت من هذه الزيارة الفنية شاركت في معرض بلوحات كانت من إنتاجي الشخصي. طلب مني الحاكم الإداري للمنطقة أن أقوم بإعداد ملف عمراني عن الجنوب الجزائري، فأتاحت لي هذه المهمة أن أزور مختلف القرى والمناطق الصحراوية، وأتعرف مباشرة على معمارها المتميز، ولم أتلق من قبل الحاكم الإداري شيئا يذكر ماعدا تعييني كعامل مساعد في ورشة للبناء. ثمة حدث يمكن أن أقول بأنه نقطة تحول في مساري كفنان.

في الجزائر العاصمة تعرفت على مجموعة من الفرنسيين، وكان من بينهم أستاذ للغة الإنجليزية، ومعه زوجته الرسامة، وفي نفس الوقت تعرفت على أمين متحف الفنون الجميلة بالجزائر، وكان مؤرخا متخصصا في تاريخ النهضة الفنية الإيطالية، وعندما عرض عليه أصدقائي الفرنسيون لوحاتي ورسومي قال لهم: “إنه لا ينبغي أن تشجعوا الفنانين العرب، لأن مواهبهم تضيء قليلا، ثم سرعان ما تنطفئ وتندثر”. لقد كان هذا الرجل محل تقديري كما كانت أبحاثه في الفن محل إعجابي، ونظرا لهذه العوامل فقد أثر فيّ قوله الذي نقله إليَ أصدقائي الفرنسيون تأثيرا حادا، ولكي أبرهن له العكس فقد قررت أن أختار السفر إلى باريس لدراسة الفنون، وصقل موهبتي الفنية، بدلا من الذهاب إلى القاهرة لدراسة اللغة العربية وآدابها. وهو يحكي قصته مع هذا الفرنسي العنصري رأيت شرارة الغضب تجتاح وجه الفنان فراح وأبدى رغبة في رواية ما فعله في باريس وبريطانيا وفي العواصم العالمية الأخرى ليردَ عليه ردَا حاسما بإبداعه الفني والفكري ولكنني استسمحته أن نؤجل ذلك قليلا ودعوته من جديد إلى سرد تفاصيل ينابيع طفولته التي نهل منها الكثير ونقله إلى عالم المسرح فواصل الكلام بتلقائية مترعة بالشفافية مثل الشلال هكذا: “كانت طفولتي غنية جدا. إنها مخزون من التجارب والمشاعر، والتقاليد الروحية التي لا تنضب أبدا. إلى جانب الدور الأساسي الذي لعبته أسرتي في توجيهي الثقافي، خاصة والدي الذي كان قاضيا، وأمي المولعة بترديد الأهازيج، وأخي محمد الذي بفضله تمكنت من تحقيق المكانة التي أنا فيها الآن، هنالك جانب آخر ذو أهمية في تكويني الفني، وهو أن أختي حليمة قد اعتادت أن تروي لنا وفي كل ليلة قصص (ألف ليلة وليلة)، و(أيام العرب)، وبدون رقابة ذاتية. وهكذا كانت أختي مصدرا للمعرفة الثرية.

لقد دفعتني تلك اللقاءات الجميلة إلى تطوير مخيلتي، وتنمية حسي الجمالي، ومكنتني من الدخول إلى عوالم التقاليد العريقة، كصناعة اللعب البدائية، وأزيائها المدهشة، ونسج السجاد، وأغطية الفراش. وبمرور الأيام وظفت هذه الخلفية التراثية أثناء تصميمي لمسرحية (المسحور)، لمؤلفها بيتر بارنز التي قدمتها فرقة شكسبير في عام 1974. ولقد كان للتقاليد الاجتماعية وللموسيقى الجزائرية القديمة، وأغاني البدو تأثير ايجابي على تكويني الفني، كما تأثرت بالفترة التاريخية التي كان فيها المستعمر الفرنسي يجند الجزائريين بالقوة ويرسلهم ليحاربوا ضد هتلر. هناك تأثير آخر له أهميته في تكويني، ويتمثل في (الطعم)، أي المهرجان الذي كان يقيمه والد جدي الشيخ الميسوم بالزاوية (الكتَاب). لقد كانت تلك المهرجانات مزيجا من الحضرة الصوفية، والصلوات، والموسيقى، وسباق الخيل و(العيساوية)، وكان كل ذلك بمثابة أسلوب خاص بتحضير النفس البشرية للدخول في لحظات الوجد الصوفي.

 هنالك عوامل ومؤثرات أخرى لعبت دورا بارزا في حياتي، وفي تشكيل موهبتي، وثقافتي التي انعكست فيما بعد في أعمالي الفنية ومتحفي الذي يتضمن مئات الرسوم التي انجزتها، هذا وقد استلهمت منه عدة نماذج، وهنا لا بد من ذكر تأثري العميق بالمداحين الشعبيين، وتظاهراتهم الطقوسية التي قدمت لي عالما مسرحيا كاملا، وأرى أنه جدير بالدراسة والتمحيص من طرف معماريينا، ومسرحيينا، وفنانينا جميعا. في اللحظات التي تميزت برسم فراح لزخارف لوحات جميلة عن مؤثرات طفولته سألته ليوضح لي كيف نسج العلاقة بين هذه الخلفية ذات الجذور الجزائرية وبين الموروث العالمي الذي انخرط فيه فأفصح أن: “المهم في الأمر هو دراسة الثقافة الكونية، وأعني بذلك كل تاريخ الفنون الجميلة، والفن المسرحي، وأشكال المعمار. لقد استغرق هذا مني عدة سنوات من العمل الجدي والشاق، من أجل هضم الثقافة العالمية.

 وقد كنت كرجل مسرحي منخرطا بصفة كلية في هذا المضمار حتى تمكنت من بناء تركيبة تصل جذوري الثقافية بكل تاريخ الحضارة البشرية على مدى عشرين قرنا. عندما صممت بعض المسرحيات الإغريقية تذكرت أزياء نساء جبال الأوراس، والصحراء ووظفتها في تلك التصاميم. هذا مثال واحد، وأستطيع أن أقدم لك عشرات الأمثلة الأخرى، منها الدرس الذي يمكن لنا أن نستخرجه ونتعلمه من العلاقة الموجودة بين (المداح) الشعبي، وبين المتفرجين المتحلقين حوله مثل الدائرة. كانت تقنية المداح شبيهة تماما بعملية الشهيق والزفير. عندما كان المداح يروي الحكايات بدرامية وبصوت منخفض؛ فإن دائرة المتفرجين كانت تصغر، وبذلك كانوا يقتربون منه لالتقاط أقواله والتمعن فيها بعمق، وبعد لحظات ينتقل المداح وبرشاقة إلى المزاح فيضحكهم، وهنا تكبر دائرة المتفرجين وتتسع، على نحو وكأنك في عالم مسرحي عظيم. إن هذا درس مهم ينبغي أن نتعلمه من موروثنا الشعبي، وهو درس معماري ـ مسرحي، ولذلك طبقته في مهنتي كمصمم مسرحي وكمدرَس لهذا الفن”.

مقالات ذات صلة