الرأي

عبد الرحمن الوهراني.. شيخ الإمامين الظاهري والقرطبي

بقلم: أمين كرطالي
  • 991
  • 0

في سماء قرطبة حاضرة الأمويين، حيثُ أرست دولة الإسلام دعائمها هناك، وعانقت علياء المجد بذراعيها، لتشقّ طريقها نحو بناء حضارة لا تزال آثارها باقية، تألّق اسم عالمٍ جزائري جليل، أثرى ينابيع الفكر من نهر علمه الفياض، وتتلمذ عليه ثلّة من الأعلام، نبغ أحدهم فصار إماما لمذهبٍ عُرف بالمذهب الظاهري، وتألّق آخر فكان حافظ الأندلس والمغرب.

فمن منّا لا يعرف الإمام ابن حزم الأندلسي، ذلك العَلمُ الهُمام، من أرباب القلم، الذي أسس مذهبا فقهيا أبان عن نضج عقله، ألا وهو المذهب الظاهري، وأرسى دعائم مدرسة فكرية رائدة. صاحب التصانيف الكثيرة، والكتب الشهيرة؟ ومن مّنّا لا يعرف الإمام ابن عبد البرّ حافظ الأندلس، الذي أسهب العلماء في الأخذ منه والنّقل عنه، حتّى كان شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرُ التأثّر به، والاستشهاد بأقواله؟

إنّ هذين العالمين قد شاءت الأقدار أن يتعلّما على يد شخصية جزائرية لم تنل حظّها من الترجمة إلاّ شذرات مبثوثة هنا وهناك في كتب التراجم، مثل ما ورد في كتاب الصلّة لابن بشكوال. ولعلّ سبب عدم وجود ترجمة وافية وكافية لهذا العالم، هو أنّه لم يكترث للتّصنيف ولم يتفرّغ لتأليف الكتب، أو تكوين مريدين وأتباع، وذلك هو شأن الكثير من أعلام الجزائر الذين كانوا من أزهد النّاس في التّأليف، رغم ما شهد لهم به العالم من التبحّر في العلوم، والإجادة في الفهم، والقوة في الرّأي. وبسبب قلّة التّأليف قلّ النّاقلون عن هؤلاء الأعلام، وربّما كان سبب عزوفهم عن التّأليف بسبب عدم وجود المشجعين لهم، ولعلّ من الأسباب أيضا ما تميّزت به الشخصية الجزائرية عبر التاريخ من الخوف من الشهرة والزهد في الحياة، وقلّة الاتّصال بالسلاطين والأمراء والولاة، فلذلك لم يطرقوا أبواب العظمة، رغم نبوغهم الذي لا يُشكّ فيه.

هذه الشخصية التي سنتحدّث عنها تنحدرُ من مدينة يُراد لها أن توصف بمدينة “الراي” والكباريهات والملاهي الليلية، ومؤخرا أريد لأحد ديسكوهاتها أن يتحوّل إلى مزارٍ لكلّ تافه.

نعم إنّه أحد أبناء مدينة وهران، عاصمة الغرب الجزائري، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني الوهراني، والذي استقرّ بالأندلس في مدينة بجّانة، وعشق علم الحديث والرواية، فصار من المُبرّزين فيها، وأدلى فيها بدلوه، ودرس على يديه الكثيرُ من أعلام الأندلس، فنهلوا من علمه وأدبه، على غرار إمامي زمانهما ابن حزم الأندلسي إمام أهل الظّاهر، وشيخ المالكية ابن عبد البر. وواضح أنّ أثر شخصيته كان بارزا على شخصية تلامذته، مثل ابن حزم الذي رغم نشأته في قصور الأمراء تراه قد زهد في الدنيا، واشتغل بالعلم دون ما سواه.

كان عبد الرحمن الوهراني ذا همّة عالية في طلب العلم وعزيمة فلاذية لأجل تحصيل شوارده، لذلك رحل إلى العراق وغيرها وكان عاشقا لعلم الحديث، باحثا عن السّند العالي، فسمع من أبي بكر أحمد بن جعفر بن مالك بن حمدان القطيعي، وأبي إسحاق البلخي صاحب الفربرى، وأبي بكر محمد بن صالح الأبهري، وأبي العباس تميم بن محمد بن أحمد صاحب عيسى بن مسكين وغيرهم.

وبعد رحلة شاقّة، أبانت عن قوّة صبره، وصلابة همّته، استقرّ ببلاد الأندلس ففتحت له مساجدها وجامعاتها الأبواب، وقصده الأعلام والطلاب، ورووا عنه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلّم بأسانيد صحيحة، وكان من جملة من روى عنه كما قلنا الإمامان الحافظان أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، وأبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم.

لقد وصفه أحد أعلام الأندلس وهو أبو عمر بن الحذاء فقال: “كان رجلا صالحا منقبضا داره ببجانة قرب دار ابن أبي الحصن”. كان عبد الرحمن الوهراني عفيف النفس وعزيزها، لذلك لم يطرق أبواب السلاطين أو ينتظر عطاءهم، بل كان رغم علمه وجلالة قدره، يتاجر في الثياب بين أسواق بجانة وقرطبة، ويجلب معه كتبه فتقرأ عليه في خلال ذلك.

إنّ عبد الرحمن الوهراني لم يكن من أولئك العلماء الذين يتمّ استغلالهم من طرف السلاطين في تأجيج الفتن، والخوض في غياهب السياسة، فتجدُه على الدّوام ينأى بنفسه عن الفتن، فيلزم بيته إذا ما حدثت فتنة في قرطبة، بل إنّه ترك قرطبة وبجانة عندما رآها قد عجّت بالصراعات، لينتقل إلى مدينة ألمرية، وظلّ هكذا ينأى بنفسه عن الصراعات إلى أن مات رحمه الله، وذلك في سنة إحدى عشرة وأربع مئة.

هذه لمحة قصيرة عن أحد أعلام الجزائر، الذين أفادوا الأمّة، وتخرّج على أيديهم ثلّة من العلماء الذين لمع اسمهم وذاع صيتهم، والذين أكّدوا على نبوغ العقل الجزائري وإبداعه، ومدى أثره في الحضارة الإسلامية وكذا الإنسانية.

مقالات ذات صلة