عبد الله حمادي….الحنين إلى أرض الأمجاد بحلم كبير
خلال الموسم الجامعي 1972 / 1973 وجد الأستاذ عبد الله حمادي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تختاره من بين أعداد كبيرة من الطلبة لتمنحه منحة جامعية للدراسة في الخارج.
كانت السياسة التي رسمها الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله تريد أن تجعل من الجامعة الجزائرية مشتلة لإطارات وكفاءات المستقبل، وقد وجد الأستاذ حمادي في هذه المنحة هبة وفرصة لا تعوض.
فرغم أن ذهنه كان خاليا من الدراسات العليا سواء داخل الوطن أو خارجه لأنه كان معيدا مرتاحا في عمله فإنه لم يتردد لحظة واحدة في أن يشد الرحال للخارج لينال أعلى الشهادات.
لم تكن العلاقات الجزائرية الإسبانية في تلك الفترة من عهد الديكتاتور فرانكو على وفاق، لكن اختيار الأستاذ عبد الله لإسبانيا كان بعيدا عن السياسة، وكان كل ما يهمه هو مواصلة دراساته العليا واكتشاف ما تركه أهل الأندلس من معالم حضارية وتراث وإلى ما غرسته أستاذة اللغة الإسبانية في نفسه للتعرف أكثر على اللغة الإسبانية التي عشقها حد الثمالة في التعليم الثانوي.
كان شهر سبتمبر من عام 1973 هو الموعد الذي تحدد لمغادرة أرض الوطن في أول رحلة للطالب عبد الله حمادي خارج تربة الوطن.
و هكذا سافر إلى مدريد حيث قضى في إسبانيا ثلاثة أعوام كاملة نال خلالها شهادة الماجيستير بجدارة وتنقل خلال تلك الأعوام بين مدريد و بين بعض المدن والمعالم والآثار الأندلسية وغرناطة التي طاف بمختلف أحيائها العتيقة وكأنه يتشمم رائحة من بنوا هناك واحدة من أعظم الحضارات العالمية.
خلال تلك السنوات أيضا تعرف إلى عدد من الأساتذة الكبار الذين ربطته بهم مودة عارمة كما ربط علاقات مع العديد من الأندلسيين الذين كان يشدهم الشوق والحنين إلى ماضي أجدادهم.
و خلال تلك السنوات أيضا عاش أجواء المظاهرات الصاخبة التي كانت تشهدها مختلف المدن الإسبانية وخاصة العاصمة مدريد ضد نظام الديكتاتور الهرم فرانكو الذي شهد في النهاية موته وانهيار نظامه وصعود ما يربو عن ستين حزبا بدأت تؤسس لديمقراطية صاعدة في هذا البلد الذي حاول فيه فرانكو خنق كل صوت حر.
خلال تلك السنوات أيضا تعرف الطالب عبد الله إلى عدد من الأساتذة والمثقفين الكبار سواء من إسبانيا أو من أمريكا اللاتينية الذين ربطته بهم مودة وصداقات ما تزال ممتدة إلى اليوم، كما ربط علاقات صداقة عميقة مع العديد من الأندلسيين الذين كان يشدهم الشوق والحنين إلى ماضي أجدادهم.
العودة وحلم الإسهام في بناء الوطن..
و في صيف 1976 عاد الطالب عبد الله إلى أرض الوطن حاملا معه شهادته العليا وحاملا معه طموحاته ليكون أستاذا في جامعة قسنطينة وليعطي للبلد الذي أعطاه وليساهم في بنائه.
عاد وهو مسكون بما حمله من ذكريات الماضي الأندلسي العريق المجيد حيث وقف على آثار الأندلسيين وأمجادهم ليس في غرناطة وحدها ولكن في قرطبة وإشبيلية ورُنْدة وجيان.
عاد إلى الجامعة مكرما متوجا بشهادة الماجيستير كأول أستاذ جزائري بتلك الشهادة في تلك جامعة قسنطينة فالتف الطلبة حوله.
عاد وهو بين حلمين حلم الاندماج في جامعته بقسنطينة وحلم استكمال شهادة الدكتوراه التي اختار موضوعها ( الشعر في مملكة غرناطة )، كما قام بعملية التسجيل على أمل أن يعود من جديد.
و يكتب الدكتور عبد الله بحميمية وشوق عن تلك العودة قائلا :
)حين تنزل بقسنطينة تشعر بالضياء ينفتح أمام عينيك، وبأشعة النور تسرق همسات راحتيك، وبذكريات الصبى تتراقص أمامك، وبالعطر القديم يُدَوْزِنُ إيقاع خطواتك، الكل يحملك نحو فضاءات وأنغام تُوقِد في ذاكرتك ترنيمة لا شرقية ولا غربية، بل قسنطينة الحل والحُلى، ففيها يسرح الخيال كجواد مرخي عنانه، يطوي مسافات الزمن الجميل ).
عاد بحلم إصدار كتابين أحدهما حول أطروحة الماجيستير ( اقترابات من شاعر الشيلي الأكبر بابلو نيرودا ).
عاد وكله شوق إلى أرض الوطن بعد أن أمضى في إسبانيا ثلاثة أعوام كاملة نال خلالها شهادة الماجيستير بجدارة وتنقل خلال تلك الأعوام بين مدريد وبين غرناطة التي طاف بمختلف أحيائها العتيقة وكأنه يتشمم رائحةَ مَنْ بنوا هناك واحدة من أعظم الحضارات العالمية.
عاد ومعركة العقاب ومغامرات دون كيشوت وصور الأصدقاء الذين تركهم خلفه ترتسم أمام ناظريه..
شهادة الدكتوراه ورفض الوزارة ومنحة الأستاذ..
بعد عامين من التدريس في جامعة قسنطينة شده الحنين مرة أخرى إلى إسبانيا وإلى أرض الأندلس لتحضير شهادة الدكتوراه واستكمال حلمه الذي تركه هناك.
و هكذا فبعد أن وجه الطلب ( 1976 ) للوزارة حتى وجد الرفض لذلك، وهو ما أحدث لديه صدمة، ولم يكن يدري إن كان ذلك الرفض من الوزارة فعلا أو بإيعاز من مسؤوله المباشر في الجامعة الذي كان الأستاذ عبد الله يرفض بعض تصرفاته التي تتنافى مع البحث العلمي.
و هكذا فإنه أشعرَ أستاذه الإسباني المشرف على شهادة الدكتوراه بأنه لم يتحصل على منحة من بلاده لشهادة الدكتوراه وكاد يستسلم للأمر، بل إنه كان في حيرة وانكسار مما حدث له، لكن ( الأيام خبأت له مفاجأة سارة وغير متوقعة)، حيث أن أستاذه (دو فرناندو دو لا كرانخا ) وهو أستاذ ذو مكانة علمية مرموقة في إسبانيا أرسل رسالة إلى (معهد التعاون الثقافي مع العالم العربي) يطلب فيها منحة علمية لطالبه الجاد عبد الله حمادي لتحضير ومناقشة شهادة الدكتوراه.
و هكذا فإن ذلك الطلب تلقى القبول الفوري وهو ما جعل الأستاذ عبد الله يطير من الفرحة وراح يجمع بسرعة أمتعته ووثائقه ويودع والدته وإخوته وغادر قسنطينة عبر القطار متجها إلى العاصمة ومنها أقلته الطائرة نحو مدريد إلى تلك الأرض التي لطالما جمعت بين ماضي الأندلس العريق حيث امتدت حضارة العرب والمسلمين طيلة ثمانية قرون وبين ديكتاتورية فرانكو.
حلم الدكتوراه يحبط أوهام اللص..
و بمجرد أن تلقى ذلك الخبر السار حتى راح يحزم أمتعته ويودع الوالدة وأشقاءه ويغادر قسنطينة على جناح السرعة بواسطة القطار الذي نقله ليلا إلى العاصمة.
في العاصمة التقى الأستاذ عبد الله مع عدد من الأصدقاء، ثم راح يشق شارع الشهيد العربي بن مهيدي بالعاصمة مزهوا بذلك السفر السعيد، وفجأة وجد أحد اللصوص يختطف منه في لمح البصر تلك الحقيبة اليدوية التي كانت تحتوي على وثائقه ويجري بسرعة البرق، ولم يكن أمام الأستاذ الذي كان ما يزال في ريعان شبابه سوى أن يطلق العنان لرجليه للحاق باللص اللعين ويفتك منه حقيبته المسروقة التي لو ضاعت منه لضاع حلمه.
و بعد أن تيقن السارق أن صاحب الحقيبة قد أصبح على بعد أمتار قليلة منه رمى بتلك الحقيبة التي أمسك الأستاذ عبد الله وكأنه يريد أن يحتضنها بقوة ثم توجه رأسا إلى المطار ومنه إلى مدريد.
كان الوقت خريفا من عام 1978 عندما وطئت أقدام الطالب عبد الله حمادي الباحث عن حلم الدكتوراه أرض مطار مدريد ومنه توجه رأسا إلى الحي الجامعي الذي وجده قد انتقل إلى مبنى جديد يتوفر على مختلف وسائل الراحة.
و بمجرد أن قدم في اليوم الموالي وثائقه لإدارة جامعة مدريد حتى بدأت رحلته مع البحث والمراجع والمكتبة وبزيارات ميدانية بحثية لعدد من المدن الأندلسية، وقد توجت هذه الرحلة العلمية الدراسية البحثية بحصول الطالب عبد الله حمادي بافتكاك شهادة الدكتوراه في 16من شهر جوان 1980 عن موضوع: الشعر في مملكة غرناطة..
و كان من الصدف الجميلة أن الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي الذي ارتبط بصداقة عميقة لدى وجوده بإسبانيا بالأستاذ عبد الله حمادي حضر تلك المناقشة إلى جانب جمع غفير من بينهم المغني الأندلس كارلوس كانو.
و احتفاء بتلك الشهادة فإن الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي أقام حفلا كبيرا في بيته لصديقه عبد الله المتوج بشهادة الدكتوراه.
فخلال تلك الفترة التي امتدت عامين ربطت بين الشاعر العراقي الراحل عبد الوهاب البياتي والطالب الجامعي عبد الله حمادي علاقة وثيقة كان البياتي خلالها يرافق خلالها صديقه حمادي إلى الحي الجامعي، وهناك كان البياتي يعقد ندوات وأمسيات شعرية كان حمادي يقوم خلالها بترجمة قصائد صديقه البياتي الذي رافقه كذلك في رحلات إلى بعض المدن الأندلسية مثل غرناطة وقرطبة وإشبيلية وغيرها، وكان الأستاذ حمادي كلما دعا خلال تلك الزيارات صديقه البياتي للحديث إلا ويجده يصوم عن الكلام وكأنه يخفي حسرته على ضياع ذلك الفردوس الأندلسي الجميل الضائع.
كانت حياة الطالب حمادي مليئة بالنشاط والحيوية، فهو إلى جانب تحضيره الجدي الدائم لأطروحة الدكتوراه عمل منتجا ومسؤولا في الإذاعة الدولية بمدريد كما قام بتجربة التمثيل من خلال دور فلاح جزائري في فيلم ( خيول الشمس ) للمخرج الفرنسي فرانسوا فيلي، كما كان لاعبا في فريق الحي الجامعي لكرة القدم.
و إذا كان الجزء الأول من هذه السيرة قد توقف عند نيل شهادة الدكتوراه منذ خمسة وأربعين عاما فإن القارئ سيبقى في انتظار الجزء الثاني من سيرة الدكتور حمادي هذا الإنسان الرائع المحب للحياة والمتشبع بأنبل القيم الإنسانية، فقد جمع بين دماثة الأخلاق والوفاء روح الشاعر فنظم الشعر وألف الدواوين، وكتب العديد من الدراسات في الثقافة والأدب وخصوصا الأدب والفن الإسباني الذي تعمق فيه.
ومنذ أن غادر محرابه الأول الجامعة في 2016 والدكتور عبد الله حمادي يكتب.
ولعل أجمل وصف قيل فيه هو (سفير الثقافات العربية في بلاد الإسبان وذاكرة ليالي الأندلس، وترجمان الروائع الأمريكو لاتينية ) على حد تعبير الكاتب المبدع الأستاذ يوسف وغليسي.
يبقى أن البروفيسور عبد الله حمادي الذي ألف ما يزيد عن أربعين كتابا لم ينل حقه في وطنه.
فقد كان بإمكانه أن يكون أنجح سفير للجزائر في بلاد الإسبان أو في أي بلد من بلدان أمريكا اللاتينية التي عرف ثقافتها وعددا من مثقفيها الكبار وسياسييها.
كل ما أتمناه له هو الصحة وطول العمر والمزيد من الكتابات ليبقى حيا بين الأجيال..