عدد مقاعد الكنيست الإسرائيلي.. رقمٌ يحمل دلالات دينية
تتنافس كثير من التشكيلات السياسية في “إسرائيل” على المقاعد المائة والعشرين التي يتشكل منها الكنيست الإسرائيلي في انتخابات تشريعية حاسمة، يعلق عليها نتنياهو وحزبه وائتلافه أمل تمديد حكمهم ومن ثم استمرار جرائم الإبادة الجماعية التي ارتفعت وتيرتها خلال حكم نتنياهو الذي ترأس حكومة الكيان لمدة أطول مقارنة بالحكومات التي سبقتها.
وتتميز رئاسة نتنياهو لحكومة الاحتلال بأنها الرئاسة التي شهدت عنصرية مقيتة تتخفى وراء شعارات دينية، يستخدمها نتنياهو وفريقه الدموي لتبرير جرائم القتل والتشريد والتجريف والتعنيف التي ارتكبت في حق الفلسطينيين في القطاع وفي الضفة الغربية.
يرأس نتنياهو حكومة الائتلاف الحكومي الأكثر تطرفا في تاريخ الكيان والتي تضم حزب الليكود وحزب شاس والصهيونية الدينية و”العظمة اليهودية”، وهو حزب اليميني العنصري إيتمار بن غفير، وهو حزب موروث عن منظمة “كاخ” التي أسسها الحاخام اليميني “مائير كاهانا” عام 1971 والتي أسست عقيدتها على تفوق العرق اليهودي وإفناء الآخر ورفض الديمقراطية وتبني نهج الفاشية، وحزب “أمل جديد”.
وتُعرف هذه الأحزاب المنضوية تحت لواء الائتلاف الحكومي بأنها أحزاب متطرفة توظف العنصر الديني لاستمالة الناخبين اليهود الذين يتناغم أكثرهم مع هذا المعطى التاريخي الذي يذكّرهم -كما يزعمون- أمجادهم وبالمؤامرات التي حيكت ضدهم، وهو المعطى الذي لا يتوانى بنيامين نتنياهو عن إقحامه في كل جولة انتخابية جديدة وفي كل انتصار أو انتكاسة عسكرية، مفسرا الانتصار بأنه ثمرة للوفاء لقيم اليهودية ومفسرا الانتكاسة بأنها عقاب إلهي للشعب اليهودي بسبب تخليه عن هذه القيم التي قال عنها نتنياهو إنها القيم التي لا غنى عنها في كل معركة تخوضها إسرائيل ضد ما يسميه “محور الشر” الذي يسعى لمحو “إسرائيل” من الوجود.
لا أريد الحديث في هذا المقال عن الانتخابات التشريعية في “إسرائيل”، ولا عن التكهنات بشأن نتائجها والتي قد أعود إليها في مقال مستقل، وإن كنت أرى مبدئيا أن إشارات الإيعاز والانحياز والامتياز والتأثير على هذه الانتخابات لصالح نتنياهو ستكون حاضرة وبقوة لأن هناك جهات متطرفة في إسرائيل وخارجها تراهن على بقاء الأمور على حالها وتمكين نتنياهو من البقاء في منصبه لعهدة جديدة لأن الحكومة في إسرائيل تنبثق من الحزب الذي يحوز الأغلبية في الكنيست منفردا أو مؤتلفا مع غيره كما هو الحال في الائتلاف الحكومي الحالي. أملي أن تتمكن القائمة العربية الموحدة من إحراز تقدم في هذه الانتخابات الذي من شأنه أن يُكسبها القدرة على إسماع صوتها والوقوف في وجه العنصرية الجارفة التي يكرسها اليمين المتطرف منذ سنوات، ولكن بين الأمل والواقع بون شاسع، فالمكائد التي يحيكها الليكود ومن لف لفه واستعداد نتنياهو للتضحية بكل شيء من أجل بقائه في السلطة والدعم الذي يلقاه من حلفائه التقليديين، يجعلني غير متفائل بنتيجة انتخابية مُرضية للمعارضة وفي مقدمتها المعارضة العربية، فقد خاض النائب أحمد الطيبي حربا ضارية ضد نتنياهو ومن يسبح في تياره ولكن هذا لم يغير من الواقع شيئا، فقد استمرت معاناة الفلسطينيين وازداد الخناق عليهم ولكن الرجل مأجور في كل الأحوال فقد أدى ما عليه ولا يعاتَب على أن غلبه تيار الائتلاف المتطرف الجارف الذي لا يقاوَم إلا بائتلاف معارض والحديد بالحديد يفلح.
لست من المولعين بلغة الأرقام وما تتضمنه من إيحاءات حتى ما يتعلق منها بالأرقام الواردة في القرآن الكريم والتي بنى عليها بعض العلماء كثيرا من التوقعات التي أكثرها أوهام، فعظمة القرآن الكريم في نصوصه المحكمة وأوامره ونواهيه ومقاصد شريعته الغراء وليس في أرقام صماء. لست من أنصار الإعجاز الرقمي في القرآن الكريم والسنة النبوية للأسباب التي ذكرتها، ولكن الأمر بالنسبة لليهود مختلف تماما، فلغة الأرقام وما تحمله من دلالات تشكل نهجا راسخا لدى أكثرهم الذين يتخذون من أرقام بعض النصوص في العهد القديم عقيدة راسخة وسائقة بدلالات قاصدة.
أعتقد أن مقاعد الكنيست المائة والعشرين مستوحاة من أرقام بعض نصوص العهد القديم التي تحتفي بالمجد اليهودي وتصور اليهود على أنهم شعب مسالم يسعى للسلام ويبغض الحرب، وهي المزاعم التي يبني عليها نتنياهو وائتلافه سياسته الخارجية، ومن ذلك ما ورد في المزمور 120 “ترنيمة المصاعد”: “صرخت إلى الرب في ضيقي فاستجاب لي. نجِّ نفسي يا رب من الشفاه الكاذبة واللسان المنافق. أي نفع يأتيني من اللسان الغشاش؟ إنه كسهام الجبار الحادة وكالجمر الأحمر الملتهب. ويلي لأني تغربت في ماشك، وسكنت في خيام قيدار. طال سكني مع أناس يبغضون السلام. أنا رجل سلام، وكلما دعوت إليه هبوا هم للحرب”.
ويتكرر الرقم 120 في سفر التثنية (7:34) من سفر التثنية التي تتحدث عن وفاة موسى عليه السلام: “وكان موسى ابن مئة وعشرين سنة حين مات، ولم تكلّ عينه ولا ذهبت نضارته”. ويورد العهد القديم أن موسى عليه السلام تُوفي في أرض موآب على جبل نبو “رأس الفسجة” مقابل أريحا، ودُفن في واد بأرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف أحدٌ قبره إلى الآن. ويضيف العهد القديم أن بني إسرائيل بكوا موسى عليه السلام في عربات موآب لمدة ثلاثين يوما.
لا أعتقد أن الربط بين عمر موسى عليه السلام وهو مائة عشرون عام وبين المزمور 120 من سفر المزامير ربط اعتباطي أو عفوي بل هو ربط مقصود والغرض منه إظهار ارتباط دولة إسرائيل المزعومة بالشريعة الموسوية والتمسك بشخصية موسى عليه السلام كشخصية تاريخية يهودية اعتبارية في السردية اليهودية، وهو ما تتباه أكثر الأحزاب اليهودية المتطرفة اليوم في إسرائيل.
ويتكرر الرقم 120 في سفر التكوين (3:6) التي تتحدث عن مدة الإنذار قبل الطوفان أو عمر الإنسان: “يكون أيامه مئة وعشرين سنة”. وقد اختلف المفسرون في مدة 120 سنة بين كونها مدة الإنذار قبل الطوفان وبين كونها الحد الأقصى لعمر الإنسان، ولكن في الحالتين فالرقم 120 ثابت.
ويتكرر الرقم 120 في سفر أخبار الأيام الثاني (5: 12) : “والمتعلق بالمائة وعشرين كاهنا الذين اجتمعوا ونفخوا في الأبواق عند تدشين الهيكل: “واللاويون المغنون أجمعون: آساف وهيمان ويدوثون، وبنوهم وإخوتهم، لابسين كتانا بالصنوج والرباب والعيدان، واقفين شرق المذبح، ومعهم من الكهنة مئة وعشرون ينفخون في الأبواق”.
ويتكرر الرقم 120 في موضع آخر من العهد القديم كوزن لصحون الذهب في سفر العدد (7: 86): “وصحون الذهب اثنا عشر مملوءة بخورا كل صحن عشرة على شاقل القدس، جميع ذهب الصحون مئة وعشرون شاقل”، أو كوزن لهدايا الذهب التي قدمت للملك سليمان “النبي سليمان عليه السلام” من بلقيس ملكة سبأ كما يشير إليه سفر الملوك الأول (10:10): “وأعطت الملك مئة وعشرين وزنة ذهب وأطيابا كثيرة جدا وحجارة كريمة؛ لم يأتِ بعد مثل ذلك الطيب في الكثرة الذي أعطته ملكة سبأ للملك سليمان”.
وينطبق الرقم 120 على عدد أعضاء المجمع الكبير الذي قاده عزرا الكاهن لجمع وترتيب أسفار الكتاب “المقدس”، ويتكون المجمع من مئة وعشرين عضو، والذين يرِد ذكرهم في سفر الأعمال (1: 15 وما بعدها): “وفي تلك الأيام قام بطرس في وسط التلاميذ، وكان عدة أسماء معا نحو مئة وعشرين، فقال: أيها الرجال الإخوة، كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داوود، عن يهوذا الذي صار دليلا للذين قبضوا على يسوع”.
إن لغة الأرقام في العهد القديم لغة طاغية وهو ما ينفي مزاعم بعض النقاد من أن هذه الأرقام أرقام عفوية لا تحمل أي دلالة دينية، والدليل على ذلك أن رقم 6 على سبيل المثال يرتبط بخلق الإنسان في اليوم السادس، وبما ورد في التوراة من أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع كما في سفر التكوين (2: 2-3) والخروج (20: 11).
إن القصد من هذا المقال هو بيان أن لا شيء عفويا أو اعتباطيا في التقليد اليهودي القديم والحديث، فاليهود يوظفون كل شيء لخدمة عقيدتهم سواء ما تعلق بالأرقام أو بغيرها، فالأرقام عندهم تحمل دلالات دينية، وقد بينت أن كل نصوص العهد القديم التي يرد فيها رقم 120، تحمل هذه الدلالات، علمها من علمها وجهلها من جهلها، لم يُستخدم هذا الرقم عند اليهود المعاصرين اعتباطا أو عفو الخاطر وإنما استُخدم عن قصد لإظهار مدى الترابط والتواصل الروحي بين الأجيال اليهودية.
بغضّ النظر عن الرقم 120 فإن النجمة السداسية كانت رمزية قديمة لأكثر من حضارة، ولكن الحركة الصهيونية أرادت أن تكون رمزا يهوديا خالصا، فاتخذت من منها شعارا مميزا لليهود ووضعت لاحقا على علم “إسرائيل” بعد قيام هذا الكيان المحتل في 28 أكتوبر 1948.
ولمن لا يقتنعون بأن الرقم 120 الذي يكافئ عدد مقاعد الكنيست يحمل دلالات دينية أن يعلموا أن كلمة الكنيست نفسها التي تعني “المجلس” أو “المجمع” مستوحاة من مجلس الحاخامين الوارد في المشناه سفر أبوت “فصول الآباء” (1: 1): “تلقى موسى التوراة من سيناء، وسلمها ليشوع، ويوشع سلمها للشيوخ، والشيوخ سلموها للأنبياء، والأنبياء سلموها لرجال المجمع الكبير.”
لا أعتقد أن الربط بين عمر موسى عليه السلام وهو مائة عشرون عام وبين المزمور 120 من سفر المزامير ربط اعتباطي أو عفوي بل هو ربط مقصود والغرض منه إظهار ارتباط دولة إسرائيل المزعومة بالشريعة الموسوية والتمسك بشخصية موسى عليه السلام كشخصية تاريخية يهودية اعتبارية في السردية اليهودية، وهو ما تتباه أكثر الأحزاب اليهودية المتطرفة اليوم في إسرائيل.