الرأي

عذراً.. رمضان

معركة “عروشية” من أجل “الزلابية”، وفتنة من أجل “البطيخ”، وجرحى في شجار جماعي من أجل التمر، وقرابة ثلاثين جريمة قتل بشعة استعملت فيها مختلف وسائل الإبادة للبشر.

لا يمكن لأي عاقل، وهذه العناوين، وما أكثرها للأسف، تصدم ناظره ومسمعه في شهر رمضان المنقضي، سوى أن يجزم بأن الشهر الذي أعطيناه عهدا، بأن نكون في مستوى قيمه، وزعمنا بأننا سنصوم فيه إيمانا واحتسابا، لأجل منحه جزءا مما يمنحنا من خيرات، قد خنّاه وشوّهنا روحه الفاضلة وطلعته البهيّة.

لقد غلب القول الفعل عندنا في العقود الأخيرة، وغلبت الخطابة، وأكثرنا من نشر الوعود، ولو سألنا رجل أمن أو مراقب تجارة أو ربّ عمل أو إماماً عن التجاوزات التي حدثت في الشوارع وفي المتاجر وفي المصانع وفي المساجد، خلال الشهر الذي تُصفّد فيه الشياطين، لأكد بأنها أضعاف ما يحدث في بقية السنة وبدرجة أخطر، وحتى عندما هلّ هلالُ العيد الديني مع العيد الوطني، بدت أحوالنا بعيدة عن قسم النازلات الماحقات والدماء الطيبات، وبدا عقد العزم القديم، على أن نُحيي الجزائر في كل مجالات الحياة مازال مبتورا وبعيدا عن أن يحقق الاستقلال الكامل الذي لا يجعل رمضان والأعياد فقط أياما، لصفد شياطين الشر وإنما كل أيام العمر.

عندما تُقدم المساحات التجارية الكبرى في كندا وبريطانيا وبعض المحلات التجارية في فرنسا على خفض أسعار موادها الغذائية خصيصا للصائمين في شهر رمضان، وعندما تسارع نوادي برشلونة وريال مدريد ومانشستر يونايتد وهي أندية لا تضم أي لاعب ينتمي لدولة إسلامية لتقديم تهاني العيد، وعندما ترسل جوفنتوس وتشيلسي وهما ناديان لم يسبق لهما وأن ضمّا لاعبا جزائريا، تهنئة عيد الاستقلال للجزائريين، فمعنى ذلك أن هؤلاء يعلمون الكثير من القيم الرمضانية وعيد الفطر المبارك، ويقدّرون تضحية الجزائريين لأجل استعادة حريتهم، ويحترمون تاريخنا وما حبانا الله من نِعم وأفضال، وعندما نقدّم نحن في المقابل بعض النماذج البشعة من نكران الجميل ومن تشويه الصورة والروح، فمعنى ذلك إما أننا لا نعلم بما نحن فيه من خير وتلك مصيبة، أو أننا نعلم ولا نعترف، وتلك مصيبة أكبر.

 في كل مرة نستقبل رمضان ببحر من المداد واللعاب، عبر وعود لا ترتق للتطبيق، ونستقبل عيد الاستقلال بصور أمام مقابر الشهداء، وهتاف “ثورة التحرير أعطيناك عهدا”، ولا أحد وفّى بعهوده. وهذه المناسبات تعود في كل سنة ولا يعود بعضنا، وقد لا يعود كلنا، ولكن الثابت مع عودة هذه الأعياد، أن أمل العودة مازال قائما، لنعيش رمضان بالتقوى المرجوَّة منه، فيصبح فرصة للتصالح مع الذات ونموذجا لبناء الإنسان، ويصبح عيد الاستقلال سعياً من أجل الاستقلال الحقيقي الذي يحرّر  الجزائري من استعمار الخبز والحليب والصناعة والتعليم والأفكار، وحينها سيصبح لتبادل التهاني معنى، لأن التهنئة الحقيقية هي وعود والتزام… وتطبيق.

مقالات ذات صلة