الرأي

عذرا ابن خلدون

تُنسب إلى المؤرخ العبقري ابن خلدون مقولة: “اتَّفق العربُ على أن لا يتفقوا” وهي مقولة ردّدها بعده عديد رجال الفكر والسياسة وزعماء العالم العربي وحتى غير العربي، مثل جمال عبد الناصر بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، والملك فيصل بعد نكسة حرب الستة أيام سنة 1967، والشاذلي بن جديد بعد اجتياح لبنان سنة 1982، ولخَّصها المفكر جمال الدين الأفغاني في مقولته الشهيرة: “شر أدواء العرب، داء انقسامهم، يتحدون على الاختلاف، ويختلفون على الاتحاد، فقد اتفقوا على أن لا يتفقوا”. وكلها مقولاتٌ وخطب تزامنت مع أحداث جِسام، شهدت الانتكاسة الكبرى التي أضاعت فلسطين، وأضاعت ثقة العرب في أنفسهم، بل وحتى ثقتهم في إمكانية أن يتَّحدوا على كلمة واحدة، ولو في اجتماع عابر، لجامعتهم العربية، التي فقدت معنى الجامعة ومعنى العرب، على مدار عقود.

هناك ومضات بشرى، أشبه بالضوء المنبعث في آخر نفق الانقسام، ظهرت مع اقتراب انعقاد القمة العربية في الجزائر، إذ اجتمع لأول مرة التاريخ بالجغرافيا، من أجل ولادة حدث عربي كبير، يكون بالالتفاف حول قضايا الأمة، التي يعلم أهلها وأشدّ أعدائهم بأنهم قادرون على أن يصنعوا الازدهار في كل المجالات، وما زاد في وميض هذا الأمل هو الوضع العالمي الحالي بعد أزمة أوكرانيا، إذ أبان الغرب عن وجهه الحقيقي المرسوم بريشة مصالحه فقط، وما حدث من اختلاف بين دول أوروبية عديدة والولايات المتحدة الأمريكية بشأن الغاز، دليلٌ على أن الغرب أيضا قد اتفق على أن لا يتفق، وبأن العرب بإمكانهم وفي أي لحظة أن يتفقوا على الاتفاق.

هناك اختلافاتٌ عديدة بين مواقف العرب في مختلف القضايا، بل وهناك اختلافات وتجاذبات وصراعات بين فصائل وأحزاب وأطياف في البلد الواحد، وهذه هي طبيعة البشر في كل مكان وزمان، ولكن بعض الورشات التي ستُفتح خلال القمة العربية في الجزائر، وتأخذ بُعدا ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، قد تكون لبنة المرحلة الجديدة التي ستؤسس للجامعة؛ الجامعة فعلا للدول العربية؛ لأن الاختلاف الديني واللغوي والجغرافي والبيئي بين اليونان وهولندا، مثلا، أو بين قبرص والدانمارك، كبيرٌ جدا، ومع ذلك يتوحدون في تفاصيل صغيرة تحت مظلة الاتحاد الأوروبي.

لقاء الفصائل الفلسطينية جاء من رحم المعاناة والاقتناع بأن عدوَّهم المشترك هو من كان يرعى فراقهم، والجهود المبذولة في لبنان وليبيا وسوريا لأجل الالتقاء على كلمة واحدة، هو دليلٌ على أن “ثورة” ابن خلدون و”بكائية” جمال الدين الأفغاني، وحسرة جمال عبد الناصر والملك فيصل والشاذلي بن جديد، إنما كانت لحظة عُسر لابدّ وأن يكون معها يُسرٌ، وقد يكون هذا اليُسر، بل يجب أن يكون خلال قمة الجزائر، بعد أن اجتمع في اللقاء، التاريخُ والجغرافيا وخاصة النيّات الحسنة، فعذرا ابن خلدون، فقد اتفق العرب هذه المرة على أن يتفقوا.

مقالات ذات صلة