عرس في ساحة الوغى
من “محاسن” و”مساوئ” الصدف في آن واحد، أن مقابلة الدور النهائي لكأس الجزائر التي جمعت بين الجارين المولودية والاتحاد نهار أمس، بملعب يحمل تاريخ استقلالنا من الهمجية والاستغلال، جرت بين موعدين كرويين أوروبيين، سقط فيهما كبار العالم، وخرج منها لاعبون أسعارهم بمئات ملايين الدولارات، ومع ذلك قدّموا لمحات فيها الكثير من الرياضة والكثير من الحضارة، دون أن نسمع عن طائرات مروحية وجرحى وفوضى بيع التذاكر، وتغطية أمنية بلغت رقم شرطي واحد لكل مناصرين اثنين. وعندما يلتقي الألمان الذين أنجبوا هتلر بالإسبان الذين أنجبوا فرانكو، من أجل قيادة أوربا كرويا، وتمرّ المواجهات أشبه بمعرض للوحات الزيتية أو حفلة موسيقى كلاسيكية، وتؤرق مواجهة بين جارين من مدينة واحدة لأجل الحصول على كأس تمنح للمتوج بها مشاركة في أضعف منافسة إفريقية، مصالح الأمن، وتحاصر العاصمة بطوق أمني لا يختلف عن حالات الحصار والطوارئ، فمعنى ذلك أننا فشلنا في اللعب كما فشلنا في الجد.
لا يمكن أن نسمّي لقاء نهائيا، يرتبط عادة بتواريخ وأسماء ورموز وطنية من الخامس من جويلية، إلى الفاتح من ماي، إلى رئيس الجمهورية أو الوزير الأول، إلا باسم العرس الذي من المفروض أن تحضره العائلات وخاصة الأطفال، وتمنينا أن تشابه المباراة النهائية في الجزائر، مباريات نهائي الكأس في فرنسا وألمانيا، حيث يلتقي الناس من كل الأجناس والأعمار، ليروّحوا عن أنفسهم، ويتعارفوا حول لعبة صارت تجري في بعض البلدان من دون تواجد رجال الأمن، وفي كل البلدان في أجواء عائلية ومن دون حواجز بين المتفرج واللاعبين، بينما تكاد تتحوّل ملاعبنا إلى سجون محصّنة بالسياج والأسوار الحجرية، أصحاب القبعات فيها يفوقون عدد لاعبي الكرة ومتفرجيها، ومعروف في علم الاجتماع أن اللعبة تفقد براءتها إذا مورست تحت القوة، وهي فعلا فقدت براءتها نهار أمس في ملعب الخامس من جويلية، بعد أن جرت أمام خمسة وعشرين ألف رجل أمن، وأجهزة مراقبة وكاميرات، أوحت أن هذا الذي سمته الصحافة بالعرس جرى في ساحة وغى، أو داخل ثكنة عسكرية.
أن نبقى نتفرج على لاعبي ومدربي وجمهور ريال مدريد وبرشلونة وبايرن ميونيخ وبوريسيا دورتموند، دون أن نتعلم، وأن يبقى الأنترنت والفايس بوك مجرّد وسيلة لحرق الوقت والأعصاب، دون أن ننتقل مثل شعوب العالم إلى بيع تذاكر ملاعب الكرة عبر الأنترنت، وليس في أقفاص الملاعب، حيث يسقط الجرحى وتعلن حالة الطوارئ وتبلغ الطوابير بضع كيلومترات، فالأحسن أن نستغني عن الفضائيات وعن الشبكة العنكبوتية لأنها وسائل تعليم، وليست وسائل للاستهلاك على الطريقة البيولوجية، دون أن نتحدث عن مبادئنا الإسلامية التي تدعونا للتسامح والحِلم في الجدّ، فما بالك بلعبة، لا يمكنها حتى وإن بلغت مرحلة نهائي كأس العالم أن ترسم مصير أمة أو مدينة أي حي كما هو الحال في نهائي كأس الجزائر.
في عام 1939 عندما زار مجموعة من الشباب الشيخ عبد الحميد بن باديس وأخبروه بأنهم ينوون إنشاء فريق كرة في قسنطينة، بارك الفكرة واعتبر الكرة وسيلة فرح لجمع الجزائريين، واقترح اللون الأبيض للفريق بلون قلوب الناس، وسماه مولودية تبركا بمولد رسول الله، ولم يكن يتصور أن مباراة بين جارين ستحشد لها هذه القوات من درك وشرطة وكاميرات وأجهزة مراقبة وطائرات!