عزاب فوق الأربعين.. أولوياتهم السفر والاكتشاف
يكشف الواقع الاجتماعي المعيش، أن تأخير الزواج، خلال السنوات الأخيرة، لم يعد مرتبطا بالوضع المادي فحسب، فالعديد من الشباب فوق الأربعين، ميسورون ومقتدرون، بوسعهم تكوين أسرة في ظروف مناسبة، لكنهم يفضلون العزوبية، ويستمرون في التمتع بحريتها الاجتماعية والمالية.
يرفضن امتطاء القطار إلى وجهة غير مناسبة
أدى الغزو الثقافي، والانفتاح الزائد إلى خلق أنماط تفكير، يراها البعض غير منطقية، ويصنفه آخرون على أنه واحد من أهم الأسباب التي أسست لظاهرة العنوسة في المجتمع الجزائري كغيره. وهذه الأنماط هي ذاتها التي لا تزال تدعم وبقوة ظاهرة ارتفاع سن الزواج، من العشرينيات إلى الثلاثينيات والأربعينيات لدى المرأة. فهذه الأخيرة، لم تعد تتنازل عن خياراتها وشروطها، وترجح النرجسية في ما يتعلق بالارتباط، فلا تقبل برجل لا يتوافق معها، نفسيا واجتماعيا وماديا، وحتى جماليا. وقد بدأت الفتيات، مؤخرا، يطالبن بمن يتفوق عليهن في هذه الجوانب، باختصار، يفضلن تأخير الزواج، أو التخلي نهائيا عن فكرته، على أن يرتبطن بالشخص الخاطئ، بحسب تقديرهن.
بالنسبة إلى نسرين، 37 سنة، مهندسة إلكترونيات، موظفة في شركة صيانة: “الزواج يعد أولوية على بعض مخططاتي في الحياة، ولكنه قائم على شروط ثابتة، إذ لا يمكن أن أرتبط برجل غير متعلم، أو يشغل وظيفة أقل من منصبي، كما أنني أريده مستقلا، يملك سيارة ومنزلا ولو بالإيجار، أتمنى أن يكون مصليا ووسيما أيضا.. وهذه المواصفات لم تجتمع في رجل تقدم لخطبتي. لذلك، أجلت الارتباط، مع أنه يساورني الندم، أحيانا، على بعض الفرص المميزة، لكن أعيد تذكير نفسي دائما بأنه لا يهم الزواج، بقدر ما يهم الشخص الذي أرتبط به، فأنا غير مستعدة أبدا لإصلاح شخص آخر، حتى يصبح على مقاس توقعاتي، خاصة بعد هذا العمر”.
مخاوف من فقدان الحرية
يشير الأستاذ لزهر نور الدين، خبير اجتماعي: “إذا ألغينا العامل المادي، بحيث تتوفر القدرة المادية، التي تسمح بإعالة أسرة وتقديم حياة كريمة لأفرادها، يبقى الجانب الاجتماعي والثقافي، الذي يصور الزواج اليوم على أنه قيد للحريات الكثيرة، وكلما تقدم العمر بالرجل وحتى الفتاة، خائفين من فقدانها، زاد التعود على الوحدة، وتعقدت شروط الارتباط، وتزايد عدد الشباب في هذا الوضع، جعل الظاهرة تبدو عادية ولا تستدعي الحرج، بل هناك من يفتخر بكونه استطاع أن يقاوم الضغط الاجتماعي، لينجو من الارتباط حتى سن متقدمة”.
بغض النظر عن الآثار الدينية والاجتماعية، وحتى الاقتصادية، على المديين القريب والبعيد، لتأخير سن الزواج، ومع وجود وعي بكل هذا، يجد بعض الشباب في النماذج الزوجية الفاشلة، وتضخم المتطلبات الاجتماعية والنفسية للأسرة العصرية، حجة لهم.
فوزي، 41 سنة، تقني صوت وصورة، يشتغل في مجال الإعلام، منذ سنوات، وقد تمكن من بناء منزل عصري، راتبه محترم، ويمتلك معظم الشروط التي يتطلبها الارتباط بزوجة مميزة، لكنه يرى أن الوقت لم يحن بعد: “الموعد المناسب لتكوين أسرة لا يحدد بالعمر في نظري، ولا يرتبط بما يملكه الفرد من مؤهلات معرفية أو مادية. ففي النهاية، ستجد نصفا آخر من مستواك، عندما تبحث عنه. الزواج، في اعتقادي، يكون أفضل، ومرشحا للنجاح، عندما يستعد الفرد نفسيا لهذه التجربة. يجد أنه قد امتلأ داخليا بتجارب الحياة، واكتشف منها ما يكفيه ليهنأ بالاستقرار، أنا الآن لا أزال في حاجة إلى الحرية وإلى استغلال ما تبقى من وقت العمل والإنجاز، للسهر والترحال والاستمتاع مع الأصدقاء، دون قيود أو مسؤوليات”.
إن إنكار الحاجة العاطفية والنفسية والاجتماعية لمؤسسة الزواج، والسعي إلى تعويضها الشكلي بعلاقات بديلة، أو بالفردانية الحديثة، لا يتوقف عند خلق ظاهرة عميقة الأثر، كتأخير سن الزواج، وإنما يحذر خبراء من إمكانية المساس بالقيم الدينية والثقافية الراسخة، التي تؤدي إلى تغيير بنى مجتمعات برمتها، أمام كل هذا الاجتهاد، لإضعاف دور الأسرة في تقديم السعادة والاستقرار والتطور للفرد.