الرأي

عشرون سنة ضد العقل!

محمد سليم قلالة
  • 2693
  • 0

“الجزائر غدا” هو عنوان تقرير أُعد في منتصف تسعينيات القرن الماضي على أساس تقديم تصور مستقبلي للبلاد في حدود سنة 2010 وإلى غاية 2020، أشرفت على إعداده وزارة التجهيز والتهيئة العمرانية آنذاك على أساس أن تتم استعادة التوازنات الكبرى للإقليم الجزائري في حدود هذا التاريخ، شاركت فيه عشرات العقول المفكرة ومسّ كافة القطاعات من المحروقات إلى السكن إلى التربية إلى الوضع الإقليمي… مرت على التقرير، وتقارير أخرى، عشرون سنة ولم نكلف أنفسنا عناء إعادة قراءته لمعرفة طبيعة الخلل ومكمنه، والأهم من ذلك ما إذا كُنّا بحق نسير من غير رؤية، وضد العقل المفكر…

التقييم، وآليات مراقبة مدى تجسيد السيناريوهات ميدانيا ليست فقط مسائل اختيارية بل هي من أهم مكونات الرؤية المستقبلية، وكل تخل عن هذه المرحلة الهامة من مراحلها يعد بمثابة إفراغ للرؤية من محتواها ومنعها من أن تتحوّل إلى واقع ملموس، ولعل هذا ما ينطبق على ما كان يتم ببلادنا في أكثر من قطاع، لا نشك أن لدينا من الكفاءات ما يمكننا من الاستعداد للمستقبل بكفاءة، ولا شك أن هذه الكفاءات قدَّمت ما استطاعت لبلادها في مختلف المجالات، إلا أن جُهدها الفكري والعلمي يبقى في الغالب ضمن أدراج مكاتب لا تعيره أية أهمية ليُقتل،  ويستمر آخرون في تسيير شؤون البلاد بطرق بالية عفا عنها الزمن…

تكفي قراءة تقرير”الجزائر غدا” لنصل إلى هذه النتيجة، ما من قطاع إلا وتم تقديم تصور مستقبلي له خلال العشرين سنة القادمة (منذ 1995). ومرت العشرون سنة ولم نُكلف أنفسنا طرح السؤال لماذا لم نُقيّم بموضوعية ما تم التفكير فيه بعيدا عن البرامج الحزبية والسياسات الظرفية؟ لماذا لم نتساءل عن مصير تلك الشعارات التي رفعها التقرير ومن بينها: “اعرضوا على الناس بناء الجزائر فستجمعون شملهم”  (ص91). هل تم عرض مشروع بناء الجزائر على الناس؟ وهل تم جمع شملهم حوله؟ لا يبدو لنا الأمر كذلك.

لقد مرت العشرون سنة ولم يحدث ذلك، بل وما زالت الأسئلة المطروحة هي ذاتها:

ـ كيف نتخلص من التبعية للمحروقات؟ كيف نعيد التوازن للإقليم؟ كيف نبني قاعدة صناعية صلبة؟ كيف نربط الجامعة بمحيطها؟ كيف نعيد الاعتبار للمنظومة التربية؟ كيف نعزز موقع الجزائر الجيواستراتيجي؟… الخ

عندما طُرحت هذه الأسئلة في سنة 1995 وكانت لدينا القدرة على تقديم إجابات عميقة حولها، رغم أننا كنا نعيش في عمق الأزمة، كان ذلك شجاعة كبيرة مِنّا، أن نُفكر في المستقبل، ونسعى لتقديم حلول  ليس لجزائر تلك الفترة بل لجزائر الغد… ما الذي حدث بعدها لكي ندخل في حالة من التسيير القصير المدى ذي الأهداف المحدودة والطفيلية أحيانا بعيدا عن كل رؤية استشرافية؟ الكل يعرف ذلك، والنتيجة التي يتفق بشأنها الجميع أننا لحد اليوم مازلنا نطرح ذات الأسئلة من غير إجابات مقنعة على الأمد البعيد…

يبدو أن ما تنبأ به التقرير قد تحقق، لقد افترض أن البلاد يمكن أن تتبع سيناريو الأمر غير المقبول الذي يحمل عنوان”سيناريو التنمية العفوية والتسيب(ص70)، بدل أن تتبع السيناريو المأمول القائم على تهيئة عمرانية استقبالية واسترداد حقيقي للإقليم.

لقد توقع التقرير ذلك بالفعل وذكر لنا التوجهات المشؤومة التي يقتضيها سيناريو الأمر غير المقبول من لاتوازن ديمغرافي وتضحية بالزراعة وحالات التبذير وخسائر اقتصادية بالجملة… (ص79)، وبادر إلى وضع أفق لجزائر الغد يتراوح بين الأجلين القصير 1995 ـ 2000، والمتوسط 2000 ـ 2010، والبعيد 2010 ـ 2020، في مجالات إيقاف النزوح الريفي، وإنعاش الهياكل الكبرى الخاصة بالتشغيل والأنشطة، وانطلاق برنامج المدن الجديد، وإعادة النشر الديمغرافي في المناطق التّلية، والتحكم في العمران…الخ، بل وتم تقديم تصور عن إمكانية تنفيذ هذا السيناريو المأمول (ص88)… والغريب أنه انطلق من ذات التشخيص الذي مازلنا نكرره إلى اليوم دون أن نتعظ، جاء في تقييم التقرير لنموذج التنمية آنذاك: “كان النموذج خادعا طالما كان الريع البترولي قادرا على تغطية جميع ألوان التبذير الذي كانت تتسم به نفقاته وكفيلا بضمان مقدرته على الأداء والسداد الخارجي، ولكنه سرعان ما انهار واندحر بطبيعة الأمر عندما فقد هذا الإمكان” (ص94).. وها نحن نكرر ذات التشخيص اليوم، وأحيانا نكرر ذات العبارات. لنقرأ ما جاء في التقرير بالحرف: “إن الانخفاض المفاجئ للإيرادات الخارجية المتأتية من البترول وحده تقريبا والحال أن وارداتنا في ارتفاع، قد كشفت ابتداء من سنة 1986 ضروب الضعف الهيكلي في اقتصادنا وعدم حصانته إزاء الظواهر الخارجية وعند ذلك فقط أخذت ضرورة إجراء إصلاحات عميقة… تفرض إجراء تغيير هيكيلي لنموذج التنمية” (ص94)، إلا أننا ننسى أمرا جوهريا أن الحلول التي قدمناها في تلك الفترة بقيت حبرا على ورق، قضى عليها أعداء العقول المفكرة أنصار الشعارات الرنانة الغارقين في الحاضر غير القادرين على التفكير في المستقبل…

وهكذا يتبين لنا كيف كان الجهل يقضي على العلم، وكيف كانت تُقتل الأفكار الحية، وكيف كان أشباه السياسيين يمنعون الفكر الخلاق من أن يقود البلاد، وكيف كانت سياسة تسيير شؤون البلاد كيفما اقتضى الحال يوما بيوم، تقبر كل مبادرة للانتقال بها إلى التسيير القائم على الاستشراف والاستشراف الاستراتيجي والرؤية المستقبلية، وتتبين لنا بوضوح طبيعة الداء الذي ينخر بلادنا وطبيعة الدواء الذي نحتاجه.

إن مشكلتنا تكمن بالأساس في هذا المستوى، أننا لم نلتزم برؤية استشرافية للبلاد ونلزم أنفسنا بتطبيقها وبتقييم ذلك التطبيق على الأقل كل سنتين، لتُعدَّل وفق مقتضيات الأمور، كل محاولاتنا لرسم مشروع مستقبلي لجزائر الغد، كانت تنهار تحت تلاعبات أشباه السياسيين، الذي لا ندري كيف توكل الأمور لهم لتسيير شؤون البلاد. وتدريجيا يضمحل ويُهمَّش العقل المفكر الذي بإمكانه قيادة البلاد أمام تكالب أيدي النهب وازدياد شراهة تلك الفئات التي لا تفكر إلا في ملء بطونها… وهكذا بدل أن نكون قد عرفنا مصير مشروع الجزائر 2005  الذي أعدته نخبة من الخبراء الجزائريين، أو مشروع جزائر الغد، أو أي مشروع آخر يضعنا ضمن أفق نصف الأول من القرن الحادي والعشرين، نبقى أسرى أمزجة أفراد، ونزوات مجموعات وزمر، بقدر ما هي تُسيِّر حياتنا يوما بيوم، هي قادرة على أن تتركنا في منتصف الطريق في أي يوم..

مقالات ذات صلة