الجزائر
تغريهم بمال وفير

عصاباتٌ دولية تتاجر بالأعضاء البشرية للجزائريين

الشروق أونلاين
  • 16737
  • 18
الأرشيف

“… أثقلت الديون كاهلك؟ مهدّد بدخول السجن؟ تبحث عن مشروع يعول أسرتك ويرفع مستواك الاجتماعي؟ لا تفكر كثيرا لأنك تمتلك “ثروات طبيعية” في جسدك: كلية، كبد، نخاع شوكي، قرنية العين، أنقذ حياة مريض يتربص به الموت وتمتّع بصحة جيدة ومال وفير يحقق أحلامك”. هكذا يخاطب الوسطاء أو المشرفون على عمليات بيع الأعضاء البشرية زبائنهم الذين يرغبون في دخول هذه “السوق” المفتوحة على كل المخاطر والاحتمالات، والمتنافية مع الشريعة الإسلامية.. وإمعانا في تطمين أصحاب هذه الأعضاء على وضعهم الصحي بعد العملية، يدعوهم هؤلاء “السماسرة” إلى الاطلاع على “فوائد” التبرع بالكلى والكبد على صفحات الأنترنت، مثلما دعا إلى ذلك موقع يعنى باستقطاب “الزبائن”، وكأنّ الكلية والكبد من الأعضاء الزائدة التي يفضل الاستغناء عنها.

 

كلى وكبد.. من يشتري؟

إلى هذا الحد هانت الكلى على أصحابها  فأصبحت مثلفردة صباطيجوز   التخلي عنها مقابل مبلغ من المال.. وإلى هذا الحد بات الكبد رخيصا ليباع بالقطعة والفصّ مثل كبد الماشية والبقر. هذا ما اكتشفناه من خلال العديد من الإعلانات المبّوبة التياستضافتإعلانات لجزائريين عرضوا كلاهم وأجزاء من أكبادهم فيمزاد علنيكبير يرسو على   من يدفع أكثر.

 والملفت للانتباه أن أكثر هذه الإعلانات لشبان تقل أعمارهم عن الثلاثين، في حين لا يوجد إعلانٌ واحد لجزائري تزيد سنه عن الأربعين، مع التأكيد على أن الشخصالبائعيتمتع بصحة جيدة، خال من الأمراض، غير مدخن، ولا يتعاطى المخدرات أو الخمر، أي أن أعضاءه المعروضة للبيعجديدةولم تُستعمل كثيرا“.. مع الإشارة إلى أن الإعلان موجه إلىالجادّينفقط، أي أنّ الأمر لا يحتمل عبث العابثين أو تضييع الوقت.

من بين هذه العروض إعلان لشاب يبلغ من العمر 21 سنة، يتمتع بصحة جيدة يقول إنهمضطرلبيع كليته بسبب الظروف المادية السيئة التي يعاني منها، مع الاتفاق على الثمن الذي يُرضي الطرفين. وإذا كان هذا الشاب فتح مجالاللتفاوضحولسعركليته، إلاّ أنّ شابا آخر يبلغ من العمر 21 سنة اشترط مليار سنتيم لبيع كليته لتسوية مشاكله المادية.

 ويبدو أن الديون هي القاسم المشترك بين هؤلاء المعلنين الذين يضمنّون إعلاناتهمحسرةنستطيع أن نقرأها بين السطور، كأن يقول أحدهم: “الله غالب الظروف اضطرتني إلى البيع، أو يقول ثان: “لم أكن لأفكر في بيع أغلى ما عنديويقصد الكليةلولا ظروفي القاسية“.

 من بين هؤلاء شاب في الـ 37 من عمره، تراكمت عليه الديوننحو3 ملايير سنتيمبسبب تجارة خاسرة مارسها لمدة 4  سنوات، وأصبح مدينا للكثير من الناس الذين باتوا يطالبونه بتسديد الدين بينما هو عاجز عن ذلك، يقول إنه راسل الكثير من المسؤولين ورجال الأعمال وحتى الوزراء دون جدوى، لذلك  يقول: “أنا مستعد لبيع كليتي وحتى عينيّ“. بينما لم يجد أبٌ لطفل لا ينام إلا في وضعية السجود بدّا من عرض كليته للبيع لعلاج ابنه في الخارج.

ويجدر بالذكر أن الكلية ليست هي العضو الوحيد الذي يفكّر الجزائريون في بيعه وحسب، بل الكبد أيضا على أساس أنه يتجدّد كل أربعة أشهر بعد أن يتم استئصالُ جزء منه، العديد من الإعلانات تضمنّت هذا العرض: بيع فص من الكبد، ومعظمها جاءت بصيغة واحدة، كإعلان أحد الشبان الذي قال إنهجاد جدافي بيع جزء من كبده، والاختلاف الوحيد في إعلان آخر أن صاحبته شابة جزائرية تبلغ من العمر 25 سنة، ما يعني أن بيع الأعضاء لا يقتصر على الرجال فقط، ولم تذكر السبب الذي جعلها تفكر في بيع قطعة من جسدها، ولدى اتصالنا بها وجدنا هاتفها مغلقا، ما يعني ربما أنها أنهت المهمة أو تخلت عنها.

 

 كل شيء للبيع

لدينا متبرعون بالكلى وفصّ من الكبد، والنخاع العظمي، والنخاع الشوكي من الجزائر، جاهزون للسفر إلى خارج بلادهم مع التحاليل الطبية اللازمة، متوفرة لدينا جميع فصائل الدم، خالون من الأمراض والاتصال للجادّين فقطهذا الإعلان الذي نشر في أحد المواقع الإلكترونية، لم نكن متأكدين من صحته، لذلك اتصلنا على الرقم المنشور أسفله، في الحال أجابنا شخص يقول إنهوسيط خيريبين البائع والمشتري الذي يكون من دولة أخرى، لأن الجزائر حسبه تمنع بيع الأعضاء البشرية وتعاقب عليه بموجب قانون الصحة الصادر في فيفري 1985، ومن بين هذه الدول الأردن وتونس وباكستان والصين، حيث يتنقل البائع إلى هذه الدول لإجراء العملية بعد أن يتم الاتفاق على السعر بين الطرفين، وباع صاحب الإعلان جزءاً من كبده، بينما تبرّع لوجه الله لمرضى السرطان بالنخاع الشوكي استجابة لنداءات استغاثة من مرضى جزائريين. وعن الأسباب التي تجعل هؤلاء الأشخاص يبيعون أعضاءهم، يقول هذاالوسيط الخيريإن الديون المتراكمة وانتهاء آجال تسديد ديون لونساج، تدفع ببعض الجزائريين وخاصة الشباب إلى طرق هذا الباب.

 

التشريع يجرّم والشرع يحرّم

إذا كان التشريع الجزائري يجرّم بيع الأعضاء حتى لا يتحول هذا الأمر إلى ظاهرة يصعب السيطرة عليها في مجتمع يعاني الكثير من الآفات والظواهر الخطيرة، فما حكم الشرع في بيع الأعضاء البشرية؟ هذا السؤال طرحناه على الشيخ عبد الفتاح حمداش، رئيس جبهة الصحوة الإسلامية غير المعتمدة، فقال: “لا يحل بيعُ جزء من الجسد أو أعضاء البدن لأي حال من الأحوال، لأن الله تعالى نهانا عن ذلك في كتابه العظيم: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}، وقال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وهذا الفعل غير مرخص به في شريعة الله لأنه عدوان على جسد وهبه الله للإنسان، فجسم الإنسان أمانة ولا يجوز للعبد التصرف فيه. وأمّا الرزق فقد تكفل الله به ما دام الإنسان حيا، فقليله كثيرٌ من الله تعالى الذي سيسأل العبد عن جسده وكيفية معاملته، فلا نتلفه ولا نهلكه ولا نطعمه سحتا ولا نستأصله”. يضيف: “ولعل المال الذي يحتاجه الإنسان بعد بيع كليته سيكون سببا في دخوله النار، أو لعلّ المال الذي حرمه الله منه لو ناله ببيع كليته سيكون مالا ملعونا، ولاشك هو مال سحت وسيكون سببا في شقائه”. أمّا الأشخاص الذين يهبون أعضاءهم بعد الموت لمن يحتاجها من المرضى، فيقول عنهم الشيخ عبد الفتاح: “هذا الأمر فيه خلاف، قال أهل العلم إن جسم الكافر يجوز استعماله، أمّا المسلم فالذين يجوزونه من العلماء يفتون بالجواز بعد الموت، والذين ينهون استدلوا بالتحريم: “كسر عظم الميت ككسره وهو حي” فالمؤمن له حرمة وكرامة، وجسمه لا يتصرف فيه، والذين جوّزوا، حرّموا العبث فيه وإنما جوزوا الانتفاع حفظا لمقاصد الشريعة: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”.    

مقالات ذات صلة