“عصارة فكر” وخلاصة تجربة
استوقفتني كلمات “لولفردهوفمان” سفير ألمانيا السابق في الجزائر، الذي اختار – بعد إسلامه – اسم “مراد هوفمان”، جاءت في معرض حديثه عن “رحلة الإيمان” رحلة الذات التائهة التي خرجت بإذن ربها من الظلمات إلى النور، وعن تجربة الإنسان الغربي الذي أسلم وجهه لله رب العالمين. قال “إن الغربيين بحثوا المادة فوجدوا الروح وبحثوا الروح فوجدوا الصدفة ولما بحثوا الصدفة وجدوا الله”.
إن القراءة الشاردة لهذه الكلمات قد تعطي انطباعا عاجلا بأنها أقرب إلى “الصور الشعرية” منها إلى شيء آخر؛ بينما هي “عصارة فكر وخلاصة تجربة” ووصف علمي دقيق للمراحل الكبرى التي قطعها العلم في الغرب ليصل إلى المرحلة التي حطم فيها هذا العلم نفسه أسطورة العلم.
نعم، إن العلم التجريبي أصبح يقتفي اليوم آثار الدين بعد أن أكد العلم نفسه أنه لا توجد “معرفة يقينية” إلا في الدين، أما في العلم فإن الشيء “المطلق” الوحيد فيه هو “النسبية“.
العلم اليوم هو الذي يستنير بحقائق الدين ويعلن عجزه عن اجتياز “الوصف” إلى “التفسير“، سواء في تعامله مع الإنسان أو مع الكون والطبيعة، لقد صحا العلم عن غروره وظهرت مؤلفات “علمية“، تؤكد هذه الصحوة وتشير إلى هذا المنعطف الجديد في تاريخ العلم الحديث مثل “موسوعة الجهل” الانجليزية و“حدود العلم” لسوليفان، كما نجد هذه الحقيقة مبثوثة في الاعترافات الصريحة التي تحتويها مذكرات العلماء الذين “كفروا” في أخريات أيامهم بالقدرة المطلقة للعلم على تفسير كل شيء وتفطنوا إلى أن العلم لا يزيد على “توسيع دائرة السؤال” وأما الإجابات التي يقدمها في كشف أسرار المادة فإنها لا تتجاوز الوصف إلى الحقائق الكلية، وقد آمن هؤلاء العلماء بأن الدين “حقيقة علمية” بالمفهوم الواسع لكلمة “العلم“.
قال “أينشتاين“: “إن الشعور الديني الذي يستشعره الباحث في الكون هو أقوى وأنبل حافز على البحث العلمي“.
وقال وليام جيمس: “إن الذي يدعم شجاعة الباحثين ويقوّيها هو ما في مُثُلهم وأفكارهم الخلقية من قوة الإيجاب والإلزام، ذلك هو الوصف الحقيقي للروح العلمي، فهل تختلف في الجوهر عن الروح الديني؟!”.
لقد أثارت تلك “الكلمات المكثفة” لمراد هوفمان تساؤلات متداخلة عديدة، وجملة من الخواطر الشاردة التي تجمعت لتشكل كلها صيغة واحدة هي “ألا يكون مثل هذه “الحقائق” تصديقا لنبوءات بعض المفكرين الغرببين الذين عبروا عن يقينهم بأن “نهاية المطاف” بالنسبة للغرب هو الإسلام” وفي مقدمتهم “برنار شو” الذي قال: إن مشكلات العالم الآوروبي تجد كلها الحل في الإسلام..” وكذا “أندري مالرو” الذي قال: إن القرن الواحد والعشرين سيكون روحيا“؟!
وعن طريق “التداعي” وجدتني أفكر في مردودية الجهود التي يبذلها الدعاة المسلمون في الأوساط الغربية غير المسلمة الذين يقدموا الإسلام كبديل منقذ للحضارة المادية المعاصرة؛ هل “استوعبوا” هذه الحقيقة التي عبر عنها مراد هوفمان ووظفوها توظيفا يؤكد للإنسان الغربي “المثقف العلماني التائه” بأن التمسك بوحي السماء من “الحق” وأن تطور الحياة وتقدم البشرية من شأنهما أن يصدعا بهذا الحق لا أن يشككا فيه.
إن بعض الدعاة لا يملكون “الثقافة العصرية” اللازمة و“الحس الحضاري” الذي يجعلهم ينطلقون من داخل الذات الغربية عند دعوتها إلى الإسلام لضمان “اطمئنان صاحبها وانجذابه” لأن المسألة ليست مجرد كفاءة علمية بل هي ـ قبل ذلك وبعد ذلك – تركيبة ذهنية وتكوين ووعي.
يقول وحيد الدين خان في هذا المعنى: “إن الداعية المسلم الذي ينفق طاقته الفكرية في حشد الأدلة على أن القرآن الكريم لم يكن من الممكن أن يأتي به محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وإنما هو وحي من عند الله سبحانه، فيبدأ بالتأكيد على أنه كان أميا، ثم يستعرض بعد ذلك مختلف مناحي الإعجاز في القرآن الكريم، وما إلى ذلك.. هذا الداعية لا يملك “تفكيرا عصريا” لأنه يفترض في الإنسان الغربي المخاطب أنه يؤمن “بفكرة النبوة أصلا” ولكن ينكرها على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ بينما هو إنسان لا يؤمن بالدين أصلا ولا بالوحي ولا بالأنبياء والرسل؛ لأن ما لا يخضع للتجربة العلمية عنده خرافات وأباطيل..
والتفكير العصري يقتضي أن يبرهن هذا الداعية على أن “الوحي ظاهرة ممكنة علميا وأن الدين حقيقة علمية“.
إن الإحساس الواعي بهموم الإنسان المخاطب والانطلاق من “داخل ذاته” ومعاناته كإنسان شرط أساسي في دعوة الحيارى والتائهين وأن ضعف هذا الإحساس هو الذي يفسر قلة تأثير بعض الدعاة بالرغم مما يبذلونه من جهد ويقومون به من نشاط.
إن الإنسان الغربي، المفكر المثقف الواعي بمأساته، وغربته الموحشة مع الذات، والذي يردد مع الفيلسوف جان بول سارتر، بكل مرارة، مقولته الشهيرة في التعبير عن قلقه الوجودي المدمر “حريتي هي الأساس لكل أساس دون أساس ولذلك فهي حرية قلقة“، هذا الإنسان لا نتصوره يستجيب لمن يدعوه إلى الإسلام بالموعظة الحسنة القائمة على لغة الترغيب والترهيب، بل لابدّ له من لغة خاصة مناسبة لا تراعي فيه مستواه الفكري والثقافي فحسب، بل تراعي كذلك ظمأه الروحي ومعاناته الصادقة ورحلته المضنية داخل الذات بحثا عن المعنى، عن الحقيقة، عن الخلاص، عن “الإسلام“.
فطوبى لمن هدى الله بهم من شاء من عباده الضالين الحيارى التائهين.. قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: “لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمر النّعم، وفي رواية: خير لك مما طلعت عليه الشمس“.