عقدة السيّارة!
البلد الذي لا يُصنّع منتجا أساسيا يستهلكه كل مواطنيه، سيبقى يحسّ بالنقص تجاه هذا المنتَج القادم إليه من القارات الخمس، وسيتحوّل هذا المنتَج إلى عقدة يعاني منها الأفراد والمجتمع عموما. واهتمام الجزائريين بكل فئاتهم بالسيارة سواء كانت فارهة غالية الثمن أو قديمة بالية، دليل على أن السيارة هي جزءٌ من العائلة وعصب في جسد الاقتصاد، كما في المجتمع، حتى أن بعض الناس يحكمون على المرء بنوعية السيارة التي يمتلك أو بطريقة سياقتها، ومجرد تذكّر بأن السيارة في الجزائر تؤثر على سعر العملة الصعبة في الأسواق الموازية والقدرة الشرائية للمواطن وحتى على معنوياته، يجعلنا ننتظر فرجا حقيقيا لأزمة السيارة التي طالت، ولم تعرف استقرارا قطّ من زمن “الديشيفو والدياس” ومرورا بـ”الريتمو والهوندا” ووصولا إلى زمن سيارات المليار سنتيم وأكثر.
الدول التي تعتبر منشأ أصليا لتصنيع السيارات، تعدّ على أصابع اليدين، ولكن البلدان التي تجاوزت أزمة السيارة، كثيرة جدا، وهناك بلدان كبيرة لا تمتلك سيارتها الخاصة، ولكنها تصنِّعها وتصدِّرها إلى الخارج. ومع ارتفاع أسعار المحروقات التي رفعت من سعر الوقود، صار امتلاك سيارة في بعض البلدان أشبه بالكابوس أو المتفجرات التي قد تهز اقتصاد الفرد، ولكن الجزائري الذي بإمكانه أن يسافر من قسنطينة إلى وهران، بأقل من ألف دينار من البنزين أو المازوت، اكتشف بأن هذه البحبوحة البترولية التي يعيشها، لا طائل منها في حياته اليومية من دون سيارة جديدة، أو من دون أن يجد خياراتٍ كثيرة في حكاية السيارة أمامه، ليُبسمل لمجراها ومرساها.
القرارات الأخيرة التي منحت خياراتٍ كثيرة قريبة ومتوسطة المدى للمواطنين لاختيار وسيلة تنقلهم، ومركب لعائلاتهم، قد تذيب هذه العقدة التي طال أمدُها، فإذا كان “المصبّر” الأول يتمثل في إمكانية أن يشتري الفرد سيارته من أوروبا، وهي حتى وإن كانت ليست جديدة، فإنها ليست قديمة أيضا، في انتظار “الطُعم” الحقيقي عندما تباشر الجزائر إنتاج سيارات إيطالية وفرنسية بالعدد والنوعية، التي يرجوها المواطنون، على أمل أن تكون على شاكلة سيارات “مرسيدس بنز” الألمانية، التي نجحت فيها المؤسسة العسكرية وصارت توزعها على مؤسسات وطنية بنوعية راقية.
لا يمكن القضاء على بعض المظاهر المشينة في البلاد الذي ضربت الاقتصاد والمجتمع، مثل أسواق العملة الصعبة التي تكتنز ملايير الدولارات، وأسواق السيارات القديمة التي ينتشر فيها بارونات الحديد، إلا من خلال البرامج والقرارات الكبيرة من أعلى السلطة، وإذا حدث الإصلاحُ الكبير في عالم البنوك وانتشرت شركات تصنيع السيارات بكل ماركاتها الأوروبية والآسيوية والأمريكية في كل المدن الكبرى، فإننا سنقضي على عقدة السيارة نهائيا، ونضع نقطة نهاية للأزمة، ونقطة انطلاق لقطاعي مالية وتصنيع، يطيران بنا إلى المركز المنشود.