عقوبة الإعدام.. وحقوق الإنسان!
بات الجزائريون هذه الأيام كلهم بمختلف مشاربهم واتجاهاتهم، وبعد سلسلة الاختطافات، والاغتصابات، وقتل الأطفال، ينادون بالقصاص، وتطبيق عقوبة الإعدام كعبرة لمن يعتبر، ونوعاً من وسائل الحد من انتشار هذه الانتهاكات الجسيمة في حق أقدس الحقوق وهو حق الحياة.
وإنني بصفتي ناشطا حقوقيا، أضع نفسي في صفوف المدافعين عن هذا الحق، وأطالب بإدراج هذه العقوبة وتوسيع نطاقها، سيّما وأنها تطال زهور الحياة والدنيا والبراءة.
وبداية، يجب أن ندرك أن هذه العقوبة ليست استثناء جزائريا، أو بدعة في مجال حقوق الإنسان بقدر ما هي عقوبة مطبقة في العديد من الدول الغربية، بل إن الفقه القانوني في الغرب مقسّم بين مؤيد ومعارض لها. لذلك، فإنني أتعجب من البعض، والذين يدخلون أنفسهم في خانة المدافعين عن حقوق الإنسان، ويتهمون المؤيدين لها، واتهامهم بالقراءة الدينية للعقوبة.
فإن كانت القراءة الدينية للعقوبة تطابق القراءة القانونية، وكذلك فلسفة العقاب وتشريع هذه العقوبة، فهل من غرابة أو خجل من ذلك؟
يبدو أن البعض، وأمام ضعف حججه، ومحاولة إبعاد كل ما هو ديني بمبرر أو غير مبرر، يريد إقناع نفسه أو غيره بـ “فظاعة” العقوبة وجسامتها، متناسيا فظاعة الجاني وجسامة فعلته التي لا تمت بصلة لا للدين ولا للأخلاق ولا حتى بالذوق العام.!
أم أنهم يعتبرون أن تطبيق هكذا عقوبة حلال في الغرب ومحرّمة في الدول العربية والإسلامية؟
كما يجدر بنا ألاّ ننسى أن المعايير الدولية في هذا المجال ـ مجال حقوق الإنسان ـ لم تكن جازمة، ولم تجتمع بكل أطيافها على تحريم عقوبة الإعدام .
والبعض، والذين يصنّفون نفسهم في المدافعين والمطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام يتناسون حقوق الخصوصية التي كفلتها شريعة حقوق الإنسان في مجال الدفاع عن هذه القيم الإنسانية المشتركة في الحكمة الإلهية في فرضها، حيث أن فرض تطبيقها مرتبط بشروط ومجالات جدُّ ضيقة، ولم يكن الهدف من ورائها إلا الحدّ من غريزة الانتقام والقتل، وعدم فقدان المجتمع لتوازنه.
لذلك، وعلى غرار الهدف الديني من فرض هذه العقوبة، فقد تمّ اعتماد هذه المنهجية في التشريعات المقارنة في مجال إقرار عقوبة الإعدام.
وإنني أتساءل ولو بالسجية وحسن النية:
هل مطالبة المجتمع بإقرارها يعتبر جريمة إنسانية؟
علما أن هذه العقوبة نفسها قد فُرِضَت بحق مرتكبي جرائم أقل خطورة ووطأة أخلاقيا وإنسانيا، كترويج المخدرات مثلا في تايلند، أو المملكة العربية السعودية أو.. أو….. الخ.
في حين أن هذه العقوبة في الجزائر حسب هؤلاء المدافعين تعتبر نافية لحق الحياة، أو أن إقرارها بناء على قناعتهم قد جاء بدوافع وضغوطات دينية.
المشرّع الجزائري “عطّل” هذه العقوبة لدواع عديدة، أقل ما يقال عنها أنها دواع ٍ سياسية وليست إجرائية أو حقوقية. وعليه، فإن مجرد المطالبة الحالية بإلغاء هذه العقوبة من القاموس الجنائي الجزائري لا تعتبر مطالبة خالصة لوجه الله، أو حفاظا على حياة الجاني، بقدر ما هي لبث الشعور بالراحة الإيديولوجية والبواعث السياسية، أو أن تطبيقها واستناداً لرأيهم يرسي خطوات نحو المجتمع الظلامي حسب اعتقادهم.
لذلك، فإنه لا يمكن الاعتماد على هذه القراءة الضيقة، خاصة وأنها صادرة من جهة حكومية مدافعة عن حقوق الانسان، ففي ظل الاختلاف يجب الاحتكام إلى القواعد العامة والآداب والنظام العام السائد داخل المجتمع.
كما أنني أتحدى الجهات السياسية المعارضة لفرض هذه العقوبة أن تدعو لاستفتاءحول هذه المسألة، وذلك من خلال سؤال بسيط:
هل تؤيد إرساء عقوبة الإعدام في جرائم محددة وبضوابط معينة؟
وبعدها، فليترك الصندوق يتكلم!!!
وإن كانت هذه ليست بدعة جزائرية، وإن تم ّ اللجوء للاستفتاء بقدر ما هو سلوك حضاري فإنه وسيلة لفضّ الاختلاف السائد داخل المجتمع!
إلا أن ذلك يبدو مستبعدا، وذلك خوفاً من صوت الصندوق وما يمكنه أن يقدّم ويخرس العديد من المتشدقين بحقوق الإنسان والعديد من “البوتيكات التجارية”.
وإنني أكرر وبدون حرج أو خجل: إنني مع عقوبة الإعدام ولا أعتبر أن قرار إرسائها وفرضها يتنافى مع فلسفة حقوق الإنسان.
وما نريد من ذلك إلا الإصلاح وانطلاقاً من الرحمة بأطفال الجزائر وذويهم الذين يطالبون بحق الدم فمن أبسط حقوقهم استرجاع .. البعض من حقوقهم!