-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عقيدة الدولار.. حين يُسعِّر ترامب السيادة !!

لعلى بشطولة
  • 701
  • 0
عقيدة الدولار.. حين يُسعِّر ترامب السيادة !!

في الثامن من جانفي 2026، وقع تحوّل هادئ لكنه بالغ الخطورة في تاريخ النظام الدولي. في مقابلة صحفية، سُئل دونالد ترامب سؤالاً كان يُفترض، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أن تكون إجابته بديهية: ما الذي يقيّد القوة الأمريكية؟

لم يُجب بالحديث عن المعاهدات، ولا عن التحالفات، ولا عن القانون الدولي.

أجاب بالحديث عن نفسه.

عن “أخلاقيته الخاصة”، و“عقله هو”. ثم أضاف أنه لا “يحتاج” إلى القانون الدولي، وأن الأمر لا يعدو كونه مسألة تعريف.

لم تكن زلّة لسان.

ولا استعراضاً خطابياً.

كانت إعلان عقيدة.

في تلك اللحظة، لم نكن أمام انحراف عن النظام الدولي القائم، بل أمام استبداله. انتهى زمن القيود القائمة على القواعد، وبدأ زمن أكثر فجاجة ووضوحاً وخطورة: عقيدة الدولار—منظورٌ تُقاس فيه القوة بالمال، ويُشترى فيه السلام، وتُساوَم فيه السيادة، ولا تبقى للأخلاق قيمة إلا إذا كانت مربحة.

هناك قادة يحكمون بالرؤية، وآخرون بالأيديولوجيا، وغيرهم بالخوف.

أما ترامب، فيحكم بالأرقام.

بعد عامٍ ترك آثاره العميقة على خرائط العالم وأجساد الشعوب، بات واضحاً أنه لم يعد يتعامل مع العالم كحيّز سياسي، بل كجدول حسابي. في هذا الجدول، السلام بند تكلفة، والتحالفات اشتراكات قابلة للإلغاء، والسيادة متغيّر قابل للتعديل، ومعاناة البشر مجرّد “أثر جانبي”.

هذا ليس فوضى.

وليس تهوّراً.

بل بناءٌ مقصود لنظام موازٍ، لا يحرق كتاب القواعد، بل يفرغه من معناه ويستبدله بالصفقات.

القانون يُستبدل بالضغط.

الشرعية تُستبدل بالملاءة.

ولا يعود السؤال: من على حق؟

بل: من يدفع؟ من يضغط؟ من يفرض؟

هذه هي الحُكم بالتسعير.

غزّة: من مأساة إلى نموذج

غزّة ليست فقط الرمز الأكثر دموية لهذه العقيدة، بل هي مختبرها الأول.

فما هو أخطر من حجم الدمار، هو ما طُرح بعده بهدوء صادم: فكرة تحويل الخراب إلى فرصة. الحديث عن “ريفيرا ترامب” في غزّة ليس تفصيلاً إعلامياً، بل كسرٌ أخلاقيٌّ غير مسبوق. فهو يعني أن التهجير لم يعد جريمة تُعالج، بل شرطاً يُدار. وأن الأرض التي أُفرغت بالقوة تصبح أرضاً “جاهزة للاستثمار”.

هذا ليس إعماراً.

إنه تحويل.

في منطق عقيدة الدولار، الحرب تُفرّغ الأرض، ورأس المال يعيد تصميم المستقبل، وتُستبعد العدالة من المعادلة بصمت. يصبح الألم مرحلة انتقالية. ويُعاد تعريف السلام باعتباره مشروعاً عقارياً، لا استعادةً للحقوق.

هكذا تتحوّل غزّة إلى النموذج الأكمل:

الدمار فرصة، المعاناة كلفة،

والسلام مخطط هندسي على الشاطئ.

الشرق الأوسط: غرفة تفاوض دائمة

في سائر المنطقة، تسود القواعد نفسها.

لم تعد الصراعات مآسي سياسية تتطلب حلولاً طويلة الأمد، بل بيئات تفاوضية.

الالتزامات مؤقتة.

المبادئ قابلة للمساومة.

والفوضى مقبولة—بل أحياناً مطلوبة—إذا حسّنت شروط الصفقة.

والنتيجة ليست تسوية، بل توتّر دائم. شرق أوسط مُعلّق في إدارة الأزمات، حيث تُنتج الكوارث أوراق ضغط، ويُؤجَّل السلام إلى أن يصبح مجدياً مالياً.

/////// إيران: اختبار الكسر

إيران تكشف حدود هذه العقيدة ومخاطرها.

فهي ليست غزّة يمكن تحويلها، ولا فنزويلا يمكن خنقها سريعاً بالعقوبات. تمتلك عمقاً استراتيجياً، وشبكات إقليمية، وذاكرة طويلة مع الإكراه. ولهذا، تقاوم منطق التسعير.

وهنا تكمن الخطورة.

عقيدة تفترض أن لكل شيء ثمناً، تصطدم بكيان لا يُشترى بسهولة. وعندما يفشل الضغط، يصبح التصعيد الخيار المرجّح. ليس بدافع أيديولوجي، بل لأن نظاماً يحوّل القوة إلى تفاوض، ينسى سريعاً الفرق بين الضغط والحرب.

إيران ليست هدف العقيدة.

إنها نقطة انكسارها.

من فنزويلا إلى غرينلاند: عودة لغة الإمبراطوريات

في أماكن أخرى، يعمل المنطق نفسه بقيود أقل. تُختزل فنزويلا في سجل موارد، ويُعاد تعريف مستقبلها السياسي بلغة “الإشراف” و“الجدوى”.

أما غرينلاند، فقد مثّلت لحظة فاصلة. مجرد التفكير في الضغط على أرض حليف أو “التفاوض” عليها تحت عنوان الأمن، أعاد إلى الواجهة مفردات دفنها العالم بعد الحرب: التملّك، الضرورة، الاستحواذ.

عندما يُجبر الحلفاء على إعلان أن سيادتهم “غير قابلة للتفاوض”، نعلم أن الضرر قد وقع.

الثقة تصبح مشروطة.

الأمن اشتراكاً.

والاستقرار قابلاً للإلغاء.

////// الخوف كأداة حكم

داخلياً، لا يختلف المشهد كثيراً. المؤسسات قائمة، لكن روحها تتآكل. إنفاذ القانون يتحوّل إلى مشهد. القسوة تُعرض أمام الكاميرات. والخوف—حين يُبث—يصبح سياسة.

هذه هي عبقرية السلطوية ما بعد الحديثة: لا حاجة لهدم المؤسسات إذا أمكن تفريغها من الداخل. مجتمع يُحكم بالأرقام لا يلتئم؛ يتفكك. قد ترتفع المؤشرات الاقتصادية، لكن الثقة تنهار، والحقوق تصبح مشروطة، والسلطة عرضاً بصرياً.

أخطر ما في عقيدة الدولار

أخطر ما في هذه العقيدة ليس ما تدمّره، بل ما تُطبّعه.

إنها تُظهر أن عالماً بلا قواعد مشتركة قد يبدو “فعّالاً” مؤقتاً. وأن تجاوز المؤسسات وتسليع النفوذ قد يحقق نتائج سريعة.

وهذا الإغراء ينتشر.

أوفى حلفاء ترامب ليسوا دولة ولا أيديولوجيا.

إنه الدولار.

هو من يقرّر من يُحتسب، ومن يُهمَّش، ومن يُحوَّل إلى “ضمان جانبي”. وهو ما يجعل الحقيقة الأكثر إزعاجاً ممكنة: في داخل كل دولة اليوم، يوجد “ترامب صغير”—نزعة لاستبدال النقاش بالصفقة، والحق بالحساب، والمصلحة العامة بالعائد السريع.

///// سؤال التاريخ

كل إمبراطورية تسمّي المنطق الذي تحكم به.

عقيدة مونرو رسمت خطوطاً.

عقيدة ترومان رسمت معسكرات.

عقيدة نيكسون فوّضت القوة.

أما عقيدة الدولار، فتُسعِّر كل شيء.

لا تسأل من على حق، بل من يدفع.

لا تدافع عن القانون، بل عن النفوذ.

ولا تسعى إلى السلام، بل إلى الملاءة.

وسؤال التاريخ لن يكون: هل كانت هذه العقيدة ناجحة؟

بل: هل يستطيع عالم تُقيَّم فيه الكرامة الإنسانية كبند محاسبي أن يصمد، حين تصبح الحياة نفسها مجرّد رقم في ميزانية القوة؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!