الرأي

علم الاجتماع في الجزائر… الغربة السوسيولوجية واليتم المعرفي!

تواجه الجامعة الجزائرية منذ عقود معضلة عميقة تتمثل في حالة من الغربة السوسيولوجية واليتم المعرفي الذي يعيشه علم الاجتماع، وهي حالة تعكس أزمة معرفية تاريخية ممتدة تستدعي التأمل والتحليل النقدي. فعلم الاجتماع في الجزائر لم يعد مجرد تخصص أكاديمي يعاني من مشاكل منهجية أو تطبيقية، بل أصبح رمزاً لحالة من الاغتراب المعرفي التي تجعل المجتمع الجزائري يعيش تحولات جذرية دون أن يجد في ترسانته الأكاديمية الأدوات المعرفية القادرة على فهم هذه التحولات وتفسيرها.

إن جذور هذه المعضلة تمتد إلى اللحظة التأسيسية لعلم الاجتماع في الجزائر، حيث ولد هذا العلم في رحم الهيمنة الاستعمارية، محملاً بالنظرة الأنثروبولوجية الاستعلائية التي وضعت الشعوب المستعمرة في خانة البدائية وعدم التحضر. هذا التأسيس الإشكالي جعل علم الاجتماع في الجزائر يحمل منذ البداية جينات الاستلاب المعرفي، حيث تم تصور المجتمع الجزائري والعربي الإسلامي عموماً كموضوع للمعرفة الغربية وليس كذات معرفية قادرة على إنتاج فهمها الخاص لواقعها وتحولاتها.

لقد ترسخت هذه النظرة الاستعمارية في البنية المعرفية لعلم الاجتماع الجزائري بشكل عميق، مما خلق حالة من التبعية المعرفية استمرت حتى بعد الاستقلال. فبدلاً من أن يشهد هذا العلم عملية تحرر معرفي تواكب التحرر السياسي، ظل أسير البراديغم الغربي، عاجزاً عن تطوير نظريات ومناهج تتناسب مع خصوصيات المجتمع الجزائري وتعقيداته التاريخية والثقافية والاجتماعية.

هذا الوضع خلق ما يمكن تسميته بـ”اليتم المعرفي”، حيث وجدت المجتمعات العربية الإسلامية، والجزائرية خاصة، نفسها محرومة من إطار معرفي حقيقي يساعدها على فهم تحولاتها الداخلية. فالبراديغم الغربي، رغم تطوره وثرائه، يظل غير قادر على الإحاطة بخصوصيات المجتمعات التي نشأت في سياقات تاريخية وثقافية مختلفة، مما يجعل محاولات تطبيقه عملية إقحام قسري لا تنتج معرفة حقيقية بل تشويهاً للواقع المدروس.

إن محاولات الدولة الجزائرية بعد الاستقلال لتوظيف علم الاجتماع كأداة للتحرر وبناء المشروع الوطني، رغم نبل مقاصدها، لم تنجح في كسر حلقة التبعية المعرفية. فالأدوات المستخدمة ظلت غربية في جوهرها، والمفاهيم المستعارة ظلت تحمل حمولتها الثقافية الأصلية، مما جعل علم الاجتماع في الجزائر يعيش حالة من الازدواجية المؤلمة: فهو من جهة يسعى لخدمة المشروع الوطني، ومن جهة أخرى يستخدم أدوات معرفية نشأت في بيئة مختلفة تماماً وتحمل قيماً ومسلمات قد تتناقض مع روح المشروع الوطني ذاته.

لقد تجلت هذه الأزمة بشكل واضح في عجز علم الاجتماع الجزائري عن استيعاب التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد على مدى العقود الماضية. فالأحداث الجسام التي مرت بها الجزائر، من تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية، لم تجد من يرافقها بالفهم والتحليل العلمي المناسب. هذا العجز لا يعود إلى قصور في الكفاءات البشرية أو نقص في الإمكانيات المادية، بل إلى غياب الإطار المعرفي المناسب الذي يمكن أن يستوعب تعقيدات الواقع الجزائري ويفسرها.

إن المحاولات الفردية التي بذلها بعض الباحثين الجزائريين لكسر هذا الطوق المعرفي، رغم قيمتها وأهميتها، لم ترقَ إلى مستوى التنظير المدرسي والأكاديمي التراكمي القادر على إحداث نقلة نوعية في المشهد السوسيولوجي الجزائري. فهذه المحاولات ظلت معزولة ومبعثرة، لم تجد البيئة الأكاديمية والسياسية والثقافية المناسبة للنمو والتطور والتراكم، مما جعلها مجرد إضاءات متناثرة في محيط من الظلام المعرفي.

هذا الوضع المأساوي أدى إلى تحول علم الاجتماع في الجامعات الجزائرية إلى مجرد آلة لإنتاج الشهادات الجامعية دون مضمون معرفي حقيقي. فالطلاب يتخرجون من أقسام علم الاجتماع دون أن يكتسبوا فهماً عميقاً لواقعهم الاجتماعي، ودون أن يطوروا القدرة على التحليل النقدي لمجتمعهم. إنهم يحصلون على شهادات تؤهلهم شكليا لممارسة مهنة السوسيولوجي، لكنهم في الحقيقة يفتقرون إلى الأدوات المعرفية الحقيقية التي تمكنهم من القيام بهذا الدور.

إن هذا الوضع يعكس أزمة أعمق تتعلق بالهوية المعرفية للمجتمع الجزائري وقدرته على إنتاج معرفة أصيلة عن ذاته. فالغربة السوسيولوجية ليست مجرد مشكلة أكاديمية محدودة، بل هي تعبير عن حالة من الاغتراب الثقافي والحضاري الأوسع. إنها تعكس عجز المجتمع عن تطوير رؤية نقدية لذاته، وعن إنتاج خطاب معرفي يساعده على فهم تحولاته والتعامل مع تحدياته.

لقد أصبح علم الاجتماع في الجزائر غريباً عن المجتمع الذي يفترض أن يدرسه، كما أصبح المجتمع يتيماً معرفياً لا يجد في هذا العلم ما يساعده على فهم نفسه. هذه الحالة من الطلاق بين العلم والمجتمع أو اللاتلاقي بينهما، تعكس فشل المشروع المعرفي الجزائري في تحقيق الاستقلالية المعرفية التي تشكل شرطاً ضرورياً لأي نهضة حقيقية.

إن معالجة هذه المعضلة تتطلب إعادة تأسيس جذرية لعلم الاجتماع في الجزائر، تأسيساً يقوم على فهم عميق لخصوصيات المجتمع الجزائري وتاريخه وثقافته، وعلى تطوير مناهج ونظريات تنبع من هذا الواقع وتخدمه. إنها تتطلب قطيعة معرفية مع التبعية الفكرية، وشجاعة في مواجهة التحدي المعرفي الكبير المتمثل في إنتاج معرفة أصيلة قادرة على الإجابة عن أسئلة المجتمع الحقيقية.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاحات جزئية في المناهج أو البرامج الأكاديمية، بل ثورة معرفية شاملة تعيد لعلم الاجتماع روحه ودوره الحقيقي كأداة للفهم والتحليل والتغيير. ثورة تنقل هذا العلم من حالة الغربة والاغتراب إلى حالة الانتماء والفعالية، ومن حالة اليتم المعرفي إلى حالة النضج والاستقلالية المعرفية.

مقالات ذات صلة