علم العمران.. على الطريقة الجزائرية
قبل أزمنة طويلة كتب العالم والأديب والمثقف العلامة ابن خلدون كتابه الذائع المعروف باسم “المقدمة”، وفيه طرح تصورات بديعة في علم العمران والاجتماع البشريين، وما يتطلبه من آليات وأدوات وفهم..
ومن ضمن ما أشار إليه ابن خلدون، موضحا غاية ذلك العلم قوله:”وهو علمٌ يحوّل غاية المؤرخ من سرد الأخبار، وتصيّد الغرائب، إلى السعي إلى فهم الاجتماع الإنساني، الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحّش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على البعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال“.
وما يهمنا ويسترعي انتباهنا في الوقت الحاضر في هذا المقام.. هو حقيقة العمران؛ فما هو حال العمران بمفهومه العام والبسيط عندنا؟ وما حظه من الاهتمام من المثقفين وعلماء الاجتماع والنفس والبيئة؟ ومن السلطة التي بيدها قرار هذا العمران بدءا وانتهاء على الأقل لفهم ما يجري على نحو ميسور ممكن الاستيعاب؟
تكفي النظرة العجلى إلى أحوال وواقع بناياتنا وساحاتنا وعماراتنا وأحيائنا، وتجمعاتنا البشرية التي تُسمى مجازا “مدنا” لنكتشف شيئا فيه بالفعل كثير من التوحش والتغلبات وما ينشأ عن ذلك.
إنه عمرانٌ لا يمكن أن يسمى إلا بـ“علم العمران الجزائري” فريد في بابه، غريب في تنزيله في أرض الواقع، عجيب في أبوابه ونوافذه و“باروداجه“، مؤذٍ في مناظره ومشاهده، موجع للقلب والعقل والنفس في حصيلته العامة…
ولننطلق من هذا التساؤل البسيط: هل لدينا فعلا ما يدل حقا على“الاجتماع الإنساني” والعمران البشري، بذلك المعنى الرائع، كما هو شأن مدن الدول مثل: ماليزيا، واسبانيا، وفرنسا، والإمارات، والسعودية… على سبيل المثال فقط؟
نعم لدينا مدن.. مدن كبيرة ومتوسطة، ومنها بعض “المدن الجديدة” كما تسمى، لكنها أشبه بالمحاشر والمحتشدات بلا بصمة جمالية، بلا مساحات خضراء، بلا ملامح إبداع، بلا بيئة خضراء، بلا ملاعب، بلا فضاءات للراحة والاستجمام والاجتماع الإنساني والرياضة.. والتنفس الطبيعي والتقاء الناس ببعضهم البعض.
لدينا بكثرة عمارات كبيرة مكعّبة ومربّعة ومستطيلة.. وهي في الغالب الأعم غير نظيفة، قاعدتها دكاكين أشبه بالمخابئ، وحوانيت، و“قاراجات” أُعدّت بـ“قوة وقسوة” لتكون محلات، لها في الغالب فضاء أمامي مغطى وغير مغطى“محتل” من مالك ما؟!.
ـ أين النسيج العمراني المعماري الهندسي المنسجم المتناغم في كل ذلك؟
ـ أين التناظر والتواؤم؟
– أين أين النظافة؟
– أين الهندسة والتخطيط والترتيب والانسجام، والتوزيع الجيد لكل شيء؟
ـ أين أمكنة اللعب واللهو للأطفال؟ وأين مساحات المرح والسمر للعائلات والأسر؟
ـ وأين الجمال الذي هو بُعدٌ إنساني لا يُستغنى عنه في السكن والمعاش؟
ـ أين البناءات الجميلة ذات الطوابق المتجانسة والأسقف القرميدية، والشرفات الجميلة البهية؟
ـ أين الطابع المعماري العربي الإسلامي الجزائري الأصيل الذي يعكس القيم الاجتماعية والإنسانية والإبداعية للمجتمع الجزائري وثقافته وفنونه؟.
ـ أين الفضاء المكاني الوردي المزهِر والمشجِر الذي يقطر إبداعا ويعكس حالة التقدم والإشباع وثقافة الفن كما نرى في كثير من مدن العالم الأخرى؟.
ـ أين الفضاء الإنساني النفسي الذي “يسيل” بالعذوبة والرقة والتحضر والإنسانية والتواصل الجميل؟
ـ أين العمران البشري؟ والاجتماع الإنساني؟
ـ أسئلة تبحث عن إجابات في ظل هذا الإسمنت الكالح الزاحف الذي وصل إلى أعمق مشاعرنا، فصار جدارا قاسيا بيننا كجيران في العمارة الواحدة؛ حيث لا يعرف المتساكنون بعضهم البعض لمدد طويلة… ولا يتواصلون مع بعضهم البعض ولا يحضرون أفراح وأتراح بعضهم البعض.
ـ وبعد كل ذلك أين أهل القرار؟.. أين علماؤنا وخبراؤنا ومهندسونا ومعماريونا؟. كيف ستكون مدننا (أقصد محاشرنا) بعد عشرين عاما من الآن؟
دعنا نضرب مثلا بسيطا بـ“حالة عمران” نمثلها بالمدينة الجديدة ـ علي منجلي ـ قسنطينة.
ثمة إجماع على أنها مدينة جالبة للاكتئاب ومثيرة للإحباط، مدينة وكأنها وُجدت دون حد أدنى من التخطيط ومراعاة ضوابط البناء والعمران. مدينة–غابة من العمارات غير المتجانسة، والشوارع الرهيبة، والأزقة، والمساحات المهمَلة، والفراغات…. لن أتحدث هنا عن “المعارك” التي تحدث بين وقت وآخر بين شباب هذا الحي وذاك، ولكن أتحدث عن الحد الأدنى الذي ينبغي أن تكون عليه مدينة جديدة.. لا شيء تقريبا، لا تزال علي منجلي تتسع شمالا وجنوبا وأكثر من 70 بالمائة من بنائها وعمرانها “العجائبي” غير مكتمل، وليس ثمة أملٌ في أن يكون فيها شيء يجعلها مدينة جميلة مستقطِبة، ناطقة بالعمران والهندسة والجمال والتناسق، تفيض بالمساحات المريحة ومرابع لعب الأطفال والمراهقين.
السؤال: لماذا؟