على بوتفليقة سحب قانون الفساد
في ذكرى تأميم المحروقات، المصادفة ليوم 24 فيفري، وفي ظل الفضائح التي تلاحق شركة سوناطراك، كعينة للشركات التي غرقت في مستنقع الفساد، طالب خبراء في القانون ومحامون ونشطاء حقوقيون من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الإسراع في سحب القانون 06-01 الخاص بمكافحة الفساد، مشددين على أن محاربة الرشوة والفساد لا تتم بقانون فاسد.
ودعا المحامي والحقوقي والرئيس الأسبق للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، ميلود إبراهيمي، ضيف منتدى “الشروق”، الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بصفته القاضي الأول في البلاد إلى سحب قانون مكافحة الفساد لأنه قانون فاسد، موضحا أن لجنة إصلاح العدالة رفضت الأخذ بتوجيهات الرئيس خلال إعدادها للنصوص الخاصة بإصلاح القطاع وقامت بسن قوانين لا يوجد لها مثيل في العالم بأسره، ومنها قانون مكافحة الفساد الذي يعتبر برأي المتحدث بمثابة نص قانوني فاسد.
وذهب المحامي خالد برغل، الى أبعد من زميله إبراهيمي في منتدى “الشروق”، قائلا إن الآليات المنتهجة رسميا لمكافحة الفساد لا تؤدي سوى إلى المزيد من نهب المال العام بسبب التلاعب الخطير من قبل الجهاز البيروقراطي المكلف بتشريع القوانين في ظل غياب طبقة سياسية ومجتمع مدني قوي قادر على مساءلة الحكومة عن أفعالها.
وفي هذا السياق انتقد فاروق قسنطيني، رئيس اللجنة الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان، مستوى الفظاعة التي بلغها الفساد في الجزائر، قائلا انه بحق كارثة وطنية بكل المعايير بعد أن أصبح رياضة وطنية نخبوية أي أن أكبر قضايا الفساد تورط فيها كبار المسؤولين في الدولة الذين لم تطلهم يد العدالة لأسباب سياسية في الكثير من الأحيان.
وأجمع ضيوف “الشروق” على أن الانتشار الرهيب للفساد في الجزائر خلال العقد الأخير سببه غياب الديمقراطية والشفافية والمساءلة وانتشار ثقافة اللاعقاب عندما ستعلق الأمر بفساد المسؤولين الكبار في الدولة، بينما يتم الضرب بيد من حديد كلما تعلق الأمر بالمواطن العادي .
.
قال إن مالطي مطالب بالتوجه للعدالة إذا كان يملك ملفات عن سوناطراك ميلود ابراهيمي:
إنابات قضائية جزائرية وراء تحريك التحقيق الايطالي في فضائح “سايبام”
أكد المحامي والناشط الحقوقي ميلود براهيمي بأن التحقيق الايطالي في فضائح شركة “سايبام” وأنشطتها في الجزائر مع شركة سوناطراك لم يتحرك بإيعاز من أطراف خارجية، ولكن بعد تحرك التحقيق وانطلاقه من الجزائر بناء على إنابات قضائية من قاضي تحقيق محكمة القطب الجزائي المتخصص بالعاصمة إلى الادعاء العام في محكمة ميلانو الايطالية.
وأوضح المحامي ميلود براهيمي بأن ملف قضية سوناطراك 1 الذي تم فتحه في العام 2010 تضمن وثائق وملفات لشركة سايبام الايطالية، وعلى إثر ذلك تم توجيه إنابات قضائية من الجزائر إلى محكمة ميلانو الايطالية، وأضاف ميلود براهيمي أن التحقيق في أنشطة سايبام بالجزائر من الممكن أنه يكون قد انطلق بناء على الانابات القضائية الجزائرية، بعد تأكد القضاء الايطالي من وجود مشاكل مالية في أنشطة سايبام بالجزائر.
وأكد ميلود براهيمي على أنه كمحام ينتظر من العدالة الجزائرية أن تستمع لنائب المدير العام لشركة سوناطراك الذي أدلى بتصريحات في القضية مؤخرا، حتى يفيد العدالة في القضية كونه تحدث عن امتلاكه معلومات مهمة في قضية سوناطراك وشركة سايبام الايطالية.
من جهته، فتح الأستاذ برغل خالد النار على رسالة مالطي وكتاباته للصحف الأجنبية “وهو مسؤول سابق بشركة سوناطراك ومقيم حاليا بفرنسا” والتي اعتبرها باللاحدث، قائلا “إذا كانت عنده ملفات فعلا وكان زعيما وبطلا فباب النيابة العامة مفتوح لسماعه ومعرفة أدلته…أما أن نتطاول على الجزائر ومؤسساتها فهذا غير مقبول؟”، واعتبر المحامي ما ورد على لسان مالطي في هذه الظروف وهذا الوقت بالذات يعتبر تطاولا على الجزائر ومحاولة لاستقطاب الرأي العام الدولي، ليتساءل كيف لشخص مثل مالطي، الذي تولى منصب حساس في سوناطراك منذ 20 سنة ومقيم في فرنسا، أن يسكت طوال هذه المدة ليختار موقعا أجنبيا للإدلاء بتصريحات خطيرة تزامنت مع الظرف السياسي الذي تعيشه الجزائر حاليا، ليقول “سوناطراك تمثل 90 بالمئة من قوت الجزائريين وهي تمثل السيادة الوطنية، وهذه الرسالة تعتبر إهانة للدولة الجزائرية، وهذا الشخص ان كانت لديه ملفات فليقدمها للعدالة وهي الوحيدة التي يمكنها أن تفصل فيها؟” ولا ينبغي أن تكون مرجعية.
.
المتهمون والمسجونون في فضيحة سوناطراك ليسوا المتورطين الحقيقيين
قال الأستاذ ميلود إبراهيمي في ندوة “الشروق” حول الفساد، وهو من المحامين المتأسسين في قضية “سوناطراك01” بأن “العدالة ليست حرة”، متسائلا “القاضي الذي يطالب باستقلال القضاء إنه يحلم، لأنه لا وجود لاستقلال القضاء في القضايا الحساسة؟” ، ليقول إن “99.99 بالمئة من القضايا التي تمر أمام العدالة عادية وتطبق فيها القوانين من قبل القضاة بكل نزاهة .. لكن عندما يتعلق الأمر بقضايا الفساد فالعدالة ليست حرة”.
وأكد المحامي ميلود إبراهيمي على أن قانون فيفري 2006 المتعلق بمكافحة الفساد هو قانون للعرقلة وليس قانونا لمكافحة الرشوة والفساد”، وقال “أنا كحقوقي طالبت مرارا وتكرارا بسحب هذا القانون الفاسد”، وأضاف أن المشكل الحقيقي وراء صياغة هذا القانون هو “البيروقراطية القضائية، وجلب قوانين أجنبية لا تمت بصلة للواقع الجزائري”.
وفي سياق متصل، كشف الأستاذ إبراهيمي أن الإرادة السياسة لمكافحة الفساد موجودة، ومنذ زمن بدأت بحملة الأيادي البيضاء في سنوات التسعينات، مشيرا إلى أن المتهمين في هذه القضايا ليسوا هم الفاعلين الأساسيين في أغلب الأحيان، ليقول المحامي “أنا متأسس في قضية سوناطراك وأستطيع القول بأن الناس الموجودين في الحبس والمتهمين في الملف ليسوا هم الفاعلين الرئيسيين ويوجد أناس آخرون متورطون أكثر لكن لم يتم استدعاؤهم؟”.
وأكد في إجابته على سؤال “الشروق” حول إمكانية أن تطلب العدالة الأشخاص المزدوجي الجنسية والذين غادروا الجزائر لبلدان أخرى، على غرار شكيب خليل؟ بأن الجزائر أمضت اتفاقيات دولية مع عدة بلدان في إطار مكافحة الفساد، ولو تطلب العدالة هؤلاء الأشخاص سيتم تسليمهم لكن بشروط تدخل في إطار احترام حقوق الإنسان، واحترام اتفاقيات التسليم.
وأوضح المتحدث أن تسليم عبد المؤمن خليفة مرهون بضمان محاكمة عادلة له واحترام اتفاقية التسليم، وهو الأمر الذي لم تحترمه الجزائر في قضية رجل الأعمال، عاشور عبد الرحمان، وأضاف “حتى أوامر رئيس الجمهورية تم ضربها عرض الحائط ولم تحترم بحيث أنه أعطى أوامر لرفع التجريم عن أعمال التسيير لكن دون أي تطبيق”، ليؤكد على أن مشكلة العدالة الجزائرية ليست مشكلة قوانين أو نصوص وإنما مشكلة تطبيق في الواقع”.
.
قال إن لجنة إصلاح العدالة حرّفت مقترحات المحامين..خالد برغل:
استدعاء وزراء في فضيحة الخليفة كشهود أمر غريب
شدد الحقوقي والأستاذ خالد برغل في ندوة “الشروق” على ضرورة إعادة النظر في قانون مكافحة الفساد الذي تم تعديله خلال سنة 2006، واصفا هذا القانون بالفاسد، ليقول: “كيف يحمي قانون فاسد من الفساد ؟” محملا لجنة إصلاح العدالة مسؤولية إخفاق هذا القانون، لأنها حرفت كل التوجيهات ـ حسب الأستاذ ـ والاقتراحات التي أدلى بها قانونيون يمثلون هيئة الدفاع الجزائرية، وهذا في محاولة لإسكات صوت الدفاع، معتبرا أن من يضع هذه القوانين هم أناس بعيدون كل البعد عن الواقع وعن القانون ومتخندقون في حضن السلطة.
وفي السياق ذاته، نوّهَ الأستاذ برغل بضرورة إعطاء الفرصة للمحامين لإرسال تقارير لرئيس الجمهورية حول الاختلالات الموجودة في القوانين، ليضم صوته لصوت باقي المحامين الداعي الى ضرورة إعادة النظر في قانون مكافحة الفساد الذي شجع على الفساد ولم يحارب الفساد.
ومن جهته أشار المحامي برغل خالد إلى أن الفساد ظاهرة عالمية، والجزائر ليست بمنأى عنها، مشيرا إلى وجود إرادة سياسية لمكافحة الفساد في الجزائر، وأن القضاء الجزائري مستقل نظريا، لكن هناك قضايا حساسة تلفها دائما الحسابات السياسية، على غرار قضية سوناطراك، الخليفة، الطريق السيار، وقال إن ملفات الفساد هذه وضعت الجزائر على المحك، ليتساءل في نفس السياق: “كيف يمكن لجلسة علنية في قضية الخليفة يحضرها وزراء، دخلوا شهودا وخرجوا شهودا، رغم ما قيل وما كشفته تصريحاتهم والرأي العام يسجل ذلك؟“.
وفتح الأستاذ النار على الذين تسببوا في استنزاف شركة “سوناطراك” من مزدوجي الجنسية قائلا: “كيف يمكن لشخص يحمل جنسية مزدوجة أن نمنحه مسؤولية في الدولة أو في شركة مثل سوناطراك ليمتص حليبها ويهرب بجوازه الفرنسي أو الأمريكي أو..دون حساب“.
وفي هذا المقام، شدّدَ الأستاذ برغل خالد على ضرورة أن تتخذ السلطات القضائية كافة الإجراءات لاستدعاء الأشخاص الذين تذكر أسماؤهم في ملفات الفساد، سواء كان الشخص مسؤولا أمنيا أم رجلا سياسيا، فيجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لمساءلته ولمعرفة الحقيقة سواء إن كان شاهدا أو حتى استلزم الأمر أن يكون متهما، ليقول “لا يمكن التذرع بالحصانة؟” فالقاضي له كل السلطات التي يخولها له قانون الإجراءات الجزائرية للاستماع لأي شخص قد يذكر اسمه أثناء التحقيق ومن شأنه أن يميط اللثام في أي قضية.
وأكد الأستاذ في الأخير على ضرورة مكافحة الفساد من جذوره لترسيخ قيم الديمقراطية في الجزائر، وهذا لا يكون إلا بالقضاء على سياسة الشكارة التي استفحلت في البرلمان _ يقول محدثنا- فكيف يمكن القضاء على الفساد وكل الهيئات والتنظيمات مبنية على أساس فاسد.
.
قال إن التطبيق لا يعكس الإرادة السياسية.. فاروق قسنطيني:
الفساد سدّ شهية المستثمرين الأجانب في التعامل مع الجزائر
استهجن الحقوقي ورئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، فاروق قسنطيني، في ندوة “الشروق” طريقة معالجة ملفات الفساد من طرف العدالة الجزائرية حيث يتطلب النظر في الطعن سنوات وسنوات، يضيع بسببها متهمون قد يكونون أبرياء في الحبس الاحتياطي، ليتساءل محدثنا عن السبب الحقيقي وراء بقاء ملفات مثل الخليفة والطريق السيار وحتى سوناطراك في أروقة المحكمة العليا لسنوات دون الفصل فيها أو محاكمة المتهمين.
وبينما قال “الحبس الاحتياطي في الجزائر مبالغ فيه”، أبرز أن قضية الخليفة بقيت مدة خمس سنوات في المحكمة العليا وتم إرجاعها لمحكمة الجنايات بالبليدة منذ سنة لكن دون تحديد جلسة المحاكمة، وكل هذا على حساب المتهمين الموقوفين والمحكوم عليهم بعقوبات قاسية وطويلة الأمد وهؤلاء الأشخاص من حقهم المحاكمة في أقرب وقت، بحيث يجب احترام قرينة البراءة وحتى أن المدانين لديهم الحق في المحاكمة، ليؤكد الأستاذ قسنطيني على أنه لا توجد استقلالية للقضاء في الجزائر، خاصة في ملفات الفساد الكبرى، ليتساءل محدثنا “هل هناك إرادة سياسية لمكافحة الفساد؟ نعم هناك لكن التطبيق والواقع لا يعكسان ذلك”.
وشرح الأستاذ قسنطيني بأنه لا يمكن مكافحة الفساد المالي الاقتصادي بالفساد القضائي، مؤكدا على أنهم كدفاع ليسوا ضد القضاة ولا يهاجمون أي قاض بذاته، لكن التجربة والواقع يؤكدان على أنه لا توجد استقلالية للقضاء في الجزائر خاصة في قضايا حساسة مثل قضايا الفساد قائلا: “هذا ما يسمى مكافحة الفساد بالفساد ؟”.
وفي سياق متصل، أكد قسنطيني أن الفساد في الجزائر أصبح رياضة وطنية قائلا: “البرازيل يلعبون كرة القدم ونحن في الجزائر أصبحنا مختصين في الفساد ومنذ سنوات طويلة”، ليضيف بأن هذا الفساد يعرقل الاقتصاد الوطني ومس أغلب المشاريع والمؤسسات الكبرى على غرار ملف قضية سوناطراك والطريق السيار شرق غرب، وهي قضايا تسيء لسمعة الجزائر لدرجة أن المستثمرين الأجانب أصبحوا يرفضون التعامل مع الجزائر.
وفي إجابته على سؤال “الشروق” حول السبب الذي يدفع بعدم استدعاء الشخصيات المعروفة التي ذكرت أسماؤها في ملفات الفساد، على غرار شكيب خليل، وزير الطاقة الأسبق، ورضا حامش، وغيرهما للاستماع إليهم أمام العدالة، وهل يتطلب ذلك أوامر فوقية وسياسية للتحقيق معهم؟ أكد الأستاذ قسنطيني على أن السلطة التقديرية لتوجيه التهم أو استدعاء أي شخص للإدلاء بشهادته أو سماع أقواله بخصوص وقائع ما ترجع للنيابة العامة أو قاضي التحقيق.
.
كواليس من الندوة:
– اعتبر الأستاذ ميلود ابراهمي بأن العقاب موجود لكن العدالة تكون دائما في فوهة بركان في القضايا الحساسة. وأن مجلس المحاسبة جاء لتصفية الحسابات وليس له أي دور في مجال مكافحة الفساد والرشوة.
ـ قال الأستاذ براهيمي إن الفساد أصبح رياضة نخبوية لا يلعبها إلا الكبار ويحاسب عليها الصغار
–الأستاذ برغل خالد اعتبر قضية الخليفة نقطة الانطلاقة في فتح ملفات الفساد والتي استغرقت محاكمتها عدة شهور.
–قال الأستاذ برغل ان قاضيا كان رئيس غرفة بأحد المجالس وصلته تعليمة عن طريق الهاتف من جهات عليا في قضية حساسة فأعلم هيئة الدفاع بذلك وأسمعهم فحوى المكالمة والتي رد عليها بأنه لن يقبل أي تعليمة مادام ضميره حيا، والنتيجة كانت إبعاده من مهامه .
–أعطى الأستاذ فاروق قسنطيني مثالا على العدالة النزيهة في جنوب إفريقيا، وهذا في القضية التي تورط فيها رياضي مشهور المتهم بجناية القتل العمدي، لكنه الآن في الإفراج المؤقت وسيمثل للمحاكمة كمتهم غير موقوف، ليتساءل كيف لا تقتدي الجزائر بهذا المثال، حيث تحترم قرينة البراءة في جنوب إفريقيا وتهدر في الجزائر، لدرجة موت متهمين أبرياء في انتظار محاكمتهم وهم في الحبس الاحتياطي.
–استغرب المحامي فاروق قسنطيني من ادعاء بعض الشخصيات التي كانت لها مهام سيادية في الدولة بأنها محمية باسم أصدقاء الرئيس، ليؤكد على أن النيابة العامة وحدها من لها السلطة التقديرية لتوجيه الاتهام لهم واستدعاؤهم ومهما كانت صفتهم.
–أكد الحقوقيون الجزائريون في ندوة “الشروق” أن مشكل سوناطراك انطلق من قانون المحروقات، وأن ما أدلى به وزير الطاقة، شكيب خليل، خلال تفجير القضية ما هي إلا أقوال حكم بها على نفسه.