-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

على خطى بني إسرائيل

حبيب راشدين
  • 2828
  • 12
على خطى بني إسرائيل

إسقاط دولة المسلمين التي يكره فيها المسلم على الدخول في معصية الخالق هي المرحلة المكملة لإسقاط “الدولة الإسلامية”، الذي تم في وقت مبكر بإسقاط حق المسلمين في إدارة أمرهم، وما لم يتحقق من تحريف للمعتقد عبر منظومة كنسية لا وجود لها في الإسلام، ينفذ اليوم عبر السلطة التي تتولى التشريع خارج أحكام الشريعة التي ارتضاها الله لعباده.

الاعتداءات المتلاحقة على ما بقي من الشريعة الإسلامية في منظومتنا التشريعية، هي في نهاية المطاف اختبارات مدروسة، تقدم بجرعات محسوبة، حتى لا تستفز نظام المناعة عند المسلمين، ورأيناها تستغل الأزمات الاقتصادية أو الأمنية، وانشغال الناس بهموم الحياة الدنيا، لتمرير إعادة صياغة المنظومة التشريعية، وتطهيرهامن عوالق الشريعة على مراحل.

المسار ليس جديدا ولا مبتكرا، فقد تم تفكيك العقيدة المسيحية على مدار قرابة ثلاثة قرون بأدوات سياسية وثقافية وتعليمية، انتهت بـفاتكان اثنينالذي هدم آخر معاقل الديانة المسيحية، بإحداث آخر تحريف لكتابهم المقدس، الذي حول الكنيسة إلى حليف موضوعي لمنظومة الدجال الأعور الذي يعبث بالطول والعرض بمعتقدات البشر، وأعرافهم، وقيمهم الإنسانية، ويسحبهم إلى مستوى البهيمة العاشبة التي تحيا لإرضاء المعدة وما تحت السرة.

معالجة الحالة الإسلامية تختلف بالضرورة عن المعالجات التي طالت معظم الديانات السماوية وما يقترب منها مثل: البوذية، والهندوسية، والبراهمانية، لأن الإسلام الذي حمل أمانة الدين للمسلم، قد حماه من عبث المؤسسات الكنسية الدينية كما هو الحال في اليهودية والمسيحية بجميع فرقها، وجعل من المسلم الفرد أمة قائمة بذاتها، ملزم فقط بطاعة الله ورسوله، ليس لأحد سلطان ديني عليه، يقبل من علمائه وفقهاء عصره ما يشاء ويترك ما يشاء.

الانقضاض على الإسلام بدأ مبكرا بالسطو على حق فرضه الله للمسلم في إدارة أمره، عبر نظام الشورى، بالتأسيس للملك العضوض مع دولة بني أمية حتى دون الحاجة إلى اسقاط النص القرآني، فاستعين عليه بالتأويل الضال الذي انطلى على المسلمين في عهد الأمويين، كما في ظل المتشابه من الخلافات الإسلامية العباسية فما بعدها، حتى سقوط الخلافة العثمانية مطلع القرن الماضي.

ومع ذلك فقد استتب الأمر لسلاطين المسلمين لأنهم لم يقتربوا من التشريع الإسلامي، لا في العبادات ولا في المعاملات، وظل الفقهاء المستقلون ماسكين بسلطة التشريع، باستنباط الأحكام لما يستجد على المسلمين من أمور، حتى أن أحد خلفاء بني العباس ظل يراود فقهاء عصره على فتوى تبيح له التنصل من شرط تضمنه عقد زواج، كان يمنعه من تعدد الزوجات، فلم ينجح، ولم يكن بوسعه أن يكره علماء وفقهاء عصره، فكان أن رضي المسلمون بإسقاط حقهم في إدارة الأمر ما دام السلطان لا يقترب من الشريعة، ليحملهم على الدخول في معصية الخالق.

التاريخ المزور يزعم أن الخلافة الإسلامية اسقطت في 1924 على يد أتاتورك بعد أن خلع آخر سلاطين العثمانيين سنة 1922، بينما الحقيقة أن الخلافة اسقطت في 27 أبريل 1909 عبر انقلاب أسقط آخر سلطان عثماني جمع بين السلطنة والخلافة، السلطان عبد الحميد الثاني الذي يكون قد ارتكب كبيرة في نظر خصومه في الداخل والخارج حين أنشأ البرلمان، وشرع في تدوين أول مدونة قانونية حديثة مستمدة بالكامل من الشريعة الإسلامية، وكان في خطابه الشهير عند افتتاح البرلمان قد أحاط بأسباب تخلف المسلمين، وانحطاط الدولة، بإهمالها للتعليم من جهة وابتعادها عن واجبات المساواة والعدل بين الناس.

وكما نرى، فإن اسقاط الخلافة الإسلامية (الدولة الإسلامية) في المرة الأولى لم ينته بإسقاطدولة المسلمينعلى امتداد ثلاثة عشر قرنا، مع استمرار عمل الدولة بالتشريع الإسلامي، فيما قاد السقوط الثاني لها بعد الانقلاب على عبد الحميد الثاني إلى اسقاطدولة المسلمينأي الدولة التي تضمن للمسلم ممارسة عقيدته في العبادات والمعاملات وفق الشريعة الإسلامية، وهو ما حصل منذ عهد أتاتورك، حتى مع الحكومات والدول التي اتخذت زورا شعارالإسلام دين الدولةكما حصل بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتجارب إسلامية مماثلة في السودان وإندونيسيا وأخيرا مع وصول الإسلاميين للحكم في العراق، ومصر، والمغرب، وتونس.

جانب من حركات الإسلام السياسي فهم قواعد اللعبة، وعلم أن الطريق إلى الحكم دون معوقات يقتضي بالضرورة تقديم ضمانات حيال تعاملهم مستقبلا مع الشريعة الإسلامية بثقافةالمرجئة الفرقة التي خالفت الخوارج وأهل السنة في مرتكب الكبيرة، وقد استندوا في اعتقادهم إلى قوله تعالى (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، والعقيدة الأساسية عندهم عدم تكفير أي إنسان، أيا كان، ما دام قد اعتنق الإسلام ونطق بالشهادتين، مبدأ له اليوم ترجمة عند من يعتقد أنه يكفي للدولة أن تعتمد في دستورها شعارالإسلام دين الدولةلتقبل كدولة إسلامية، يطبق عليها المبدأ الركن عند المرجئة: “لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة

أكثر من خمسين دولة تشترك دساتيرها في إعلان الإسلام كدين للدولة، لا توجد من بينها دولة واحدة تجرأت على تحريم الربا، فيما تكابر بعضها في تطبيق مجحف لبعض الحدود على العامة، في السرقة، والقتل، والزنى، وشرب الخمر، ولا تستثنى لا دولة خادم الحرمين، ولا دولة ولاية الفقيه، وكان هم الإخوان بعد وصولهم للحكم في مصر المداهنة للحصول على قروض ربوية من صندوق النقد الدولي.

 

قد لا يضر المسلم كثيرا ما قد تشرعه حكوماته من مخالفات للشريعة، ما لم يكن فيه ما يحمله على الدخول في معصية الخالق، كما هو الحال حين يتعلق الأمر بالتشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية، كهدم أركان عقد النكاح، والولاية، والطلاق، وتعدد الزوجات، وحتى في نظام المواريث، وهو آخر مربع من التشريعات الإسلامية التي سوف يطالها التشريع الوضعي دون الحاجة إلى مراجعة النص القرآني، كما فعل بالمسيحية واليهودية، حتى وإن كانت طائفة من العلمانيين تنادي اليوم بمراجعة الموروث الفقهي، ومتون الحديث الشريف، كمقدمة لمرحلة قادمة سوف يطالب فيها بمراجعة دورية للمحكم من التنزيل إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
12
  • ساسي

    سلام عليكم
    هل تدري اخي حبيب بان خائن الدار ما يتعسش كما يقول المثل الشعبي عندنا .
    ان ال سعود وشيوخ الوهابية الماسونية هم سبب مصائب امة الاسلام في الشرق والغرب خدمة لعروشهم ومصالحهم وكراسيهم واراضيهم الغنية بالبترول خدمة لليهو د الخنازير والامريكان اسيادهم.
    هل تدري اخي العزيز بان فتاوي شيوخ الوهابية وامول البترول

  • abdennasser

    احيانا أختلف في الراي معك و لا أقارن نفسي بك و لا أقارنك بنفسي
    لكن الحق يقال
    أنت بحق كاتب من الزمن البعيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد
    تحياتي

  • بدون اسم

    ما يدعو للأسى هو عدم قدرة(أو رغبة)بعض المسلمين في التفريق بين الظالم وبين المعطل لأحكام الشريعة الاسلامية أو المحارب لها

  • سؤال للأستاذ

    سؤال للكاتب المحترم وأرجو أن يجيبني دون خلفية عرقية أو طائفية:

    لقد جاء في مقالك: "... حتى مع الحكومات والدول التي اتخذت زورا شعار "الإسلام دين الدولة" كما حصل بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية،...."
    ماهو مرتكزك العلمي لاصدار هذا الحكم؟ ومن يخول له الحكم على الدول بانها اسلامية أو غير ذلك؟

    وشكرا

  • مسلمة وافتخر

    المقال فيه الكثير من الحقائق وانا اوافق الاستاذ عليها لكنني في المقابل لست متشائمة كثيرا في رأيي المتواضع والذي لايرقى لرأي استاذنا فمعرفتي بالمسلم ان القوانين الوضعية والتي تتنافى مع ما انزل الله لاتهمه كثيرا والدليل ان المسلم البسيط يتوخى الحذر دائما في تعاملاته التي لها علاقة بحياته الشخصية والعائلية كابتعاده عن الشبهات في الكثير من الامور مثل تجنب التعامل بالربا و تقسيم الميراث كما جاء في كتاب الله و ان يتزوج على حسب الشريعة الاسلامية وغير ذلك.
    ا

  • بدون اسم

    اذا كنت تؤمن بالله ربا و بالقرآن كتابا و بالاسلام دينا فابحث كم مرة ذكر كيد و خبث اليهود عبر الازمان و لكل البشر و ابحث كم مرة ذكر الأعراب كما تتشدق. فدفاعك عن اليهود هو الانحطاط بعينه

  • redouene

    أوافقك في معضم المقال إلا في أسباب انهيار الدولة العثمانية فالانهيار جاء بعد تخبط داخلي لاسباب داخلية بينما كان العكس عند العدو

  • بدون اسم

    شكرا أستاذ حبيب على المقال الرائع.. .......

  • الظريف

    انها بشائر الساعة يا اخي فالاسلام اعظم شعائر الله للبشر يحارب من الصديق قبل العدو و التشريع الرباني المحكم لخالق البشر صار عند الحكام الخونة تخلفا و رجعية رغم انهم يعلمون انه خير للجميع ولكن الماسونية العالمية و ادنابها قد مدوا حبالهم ونسجوا خيوط التأمر لتمرير ايات الشيطان بدل ايات الله فاليوم المسلم عليه ان يلتزم بشرع الله في بيته ان تركوه و لن يتركوه

  • بدون اسم

    اعتقد الى حد الجزم.ان بني اسرائيل اشرف واسمى وأطهر من كل الأعراب الملوك والرؤساءوالحكام من طنجة الى جاكرتا...بني اسرائيل يكفيهم أنهم في النهايـــة أعلى درجة وفوق المنافقين الأعراب..اوليس الدرك الأسفل تحت تحت الصهاينة والصليبيين وكل المشركين هذا الدرك الاسفل مكان تجمع وتجميع الأعراب حكام انظمة الشواذ من طنجة الى جاكرتا..اليس بني اسرائيل اشرف واطهر وانظف واعلى مرتبة من الاعراب؟

  • محمد كردادا بوسعادة

    المخالفات للشريعة المخالفات لبناء الدولة الحديثة المخالفات لقيم البشر ان لم تحدث في جزائر المليون شهيد اين تحدث اليس تحرير وطن بمليون شهيد مخالفة لسيرورة التاريخ تونس ما ذا قدمت لتحرير رقبتها من الاستعمار وماذا عن المغرب وموريتانيا ومصر وبقية العالم يارجل انت بحاجة الى فهم نفسك قبل ان تفكر في الحديث الى الاخرين

  • قاسم

    لأنه مقال من الروعة بمكان اكتفي فقط في تعليقي هذا ان اوضح بعض النقاط ...وردت في المقال لشعيب الخديم وابناؤه المغلوبين على امرهم الذي انساهم جريهم وراء لقمة العيش انه هناك خبراء حفدة ابليس في مجال التشريع عندنا من يريدون بناء مجتمعا ممسوخا لا زالوا يكدون ويجتهدون من اجل ذلك ورغم الإنهيار المهول للأخلاق في مجتمعنا الجزائري في السنوات الاخيرة لم يكتفوا بذلك ويحاولون بشتى الطرق تحطيم المنظومة التشريعية المستمدة في معظمها من الشريعة الاسلامية في ظل تواطؤ اعضاء يرلمان غير شرعي ونظام قمعي اللهم لطفك