على رقبتنا…!
كلما عاد رمضان، عادت الفتاوى المعلّبة والمهذبة، وارتدى هؤلاء وأولئك برانس “مفتي الديار”، ولم تعد الفتوى من صلاحيات واختصاص ووظائف الأئمة والعلماء والمشايخ في المساجد وغيرها من الهيئات المختصة، ولكن أصبحت الفتوى على لسان من لا فتوى لهم!
وزارة التجارة ومعها وزارة الفلاحة يُفتيان بأن رفع الأسعار “حرام“، لكن الأسعار ترتفع ولا تنزل، وإذا نزلت فببضعة سنتيمات، وبأسواق الرحمة فقط، ولذلك يُفتي بالمقابل التجار “عديمو الذمة” بأن رفعهم للأسعار “حلال” وأن العملية مرتبطة بما أحلّه الله من ربح وبحث عن الرزق!
مستوردو اللحوم “الجيفة” من وراء البحار والمحيطات، يفتون بأن لحمهم وشحمهم وعظمهم “حلال” والذبائح منحورة على الطريقة الإسلامية، وبالتالي على المستهلكين الجزائريين عدم الشك والريبة ولا هم يحزنون، وعليهم بشرائها وأكلها “على رقبتهم“!
ناهبو “قفة رمضان” المخصصة تحديدا للفقراء والمعوزين والمعذبين في الأرض، يفتون لأنفسهم بأن ما يحلبونه من هذه القفف “حلال” وهو جزء مقتطع من خيرات الله على عباده المحظوظين في الأرض، ولذلك تعمّ السرقة ويتزاحم الأغنياء والموظفون وحتى الأميار في طابور القفة!
الطبقة السياسية تفتي لقيادييها ومناضليها بجواز الكذب والنصب في شهر التوبة والغفران، بإخراج فتوى تستند إلى أن السياسة هي فن الممكن والكذب، ولذلك يعمّ “الهفّ” في رمضان ويخرج السياسيون والأحزاب للناس يكذبون ويحلفون ويغمزون ويهمزون!
آلاف الموظفين والعمال يفتون لأنفسهم بجواز “سرقة” الوقت في شهر الصيام والقيام، فتجدهم يحللون الهروب الباكر من الوقت الرسمي للعمل، حتى شاعت نظرية “أنا صائم إذن أنا نائم“، وسدّت بالتالي الشركات والإدارات العمومية أبوابها ونوافذها في وجه الباقي المتبقي من المواطنين!
سرّاق “المارشيات” يُقنعون أنفسهم في رمضان بفتوى إدخال أيديهم في جيوب المستضعفين الذين يُطاردون قوتهم في الأسواق والمحلات بجيوب مثقوبة، ولذلك تنتشر عمليات الخطف والنتف والاعتداءات والمطاردات في الشوارع التي لم تعد آمنة ومرعبة!
التجار.. السينمائيون، الفلاحون، السماسرة.. البزناسية.. الجميع يُفتي ويوزع الفتاوى على نفسه وغيره، حصريا في رمضان، والمصيبة أن لكلّ فتوى “فتوى مضادة“.. ولكل مفت في شهر العبادة، مُفت معارض وخصم.. ولذلك اختلط الحابل بالنابل و“راح المحرم مع المجرم” والكلّ يُفتي على المقاس ويردّد: على رقبتنا!