-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

علي فضيل… قصة كرم وصدقات الخفاء!

علي فضيل… قصة كرم وصدقات الخفاء!

يرتبط كثيرا اسم المرحوم علي فضيل بالتأسيس للصحافة العربية المستقلة في الجزائر، فهو أحد أبرز روادها منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، حتى بلغت شهرته المهنية آفاق الوطن العربي كله، بل تجاوزت حدوده، بإعلاء صرح مجمع “الشروق”، حيث رحل قبل 7 سنوات، خريف 2019، في عنفوان عطائه المهني والإنساني، تاركًا خلفه مؤسسة شامخة بكل فروعها الإعلامية.

لكن في الوجه الآخر للإنسان علي فضيل تتجلى قصة رجل عاش كريمًا سخيًّا ينفق في السرّ اكثر من العلن، يبذل المال في كل الظروف، فقد نشأ بسيطا وظل قلبه رؤوفًا بالبسطاء، يشعر بمعاناتهم، مثلما يتحسس آلام كل زميل وصديق، فيبادر بتفريج كربته وحاجته من غير سؤال، ومواقف الشهود على تلك القصة الخيرية الطويلة موثقة بتفاصيل أحداثها وسياقاتها، إذ يستحضرها أصحابها بمشاعر الامتنان والتضرع بالدعاء كلما ذكر اسمه في مجالس صانعي المعروف.

غير أن ارتباط المرحوم علي فضيل بالعمل الخيري والإحسان للآخرين، حتى أولئك الذين تأذى منهم في مراحل ما، ليست مستغربة على الإطلاق، بل هي مسألة فطريّة جبل عليها الرجل، ومكتسبة كذلك في سياق التنشئة الأسرية الاجتماعية التي ترعرع بين أحضانها، وهو أصيل القرية والبداوة، أين صقلت شخصيته على الكرم والعطاء بلا مَنٍّ ولا رياء.

لقد كان الأستاذ علي فضيل رحمه الله شخصا انسانيا بكل المقاييس في علاقاته المهنية والشخصية، الى درجة انه يغلّب كثيرا عاطفة الإحسان والصفح في قراراته مع مرؤوسيه مثلا، فلا يعاقب الا في حالات استثنائية قاهرة، وبأخف عقوبة متوقعة، بل كان شعاره دائما “العفو عند المقدرة” وهذا من حنان قلبه ورقة مشاعره تجاه الناس، خاصة الضعفاء منهم.

لذلك تجدون أن كل من كتبوا في رَثاء المرحوم من الزملاء والأصدقاء يتقاطعون في شهادة أساسية مشتركة، وهي المواقف الإنسانية الشخصية، فلا تخلو قصصهم معه من موقف إنسانيّ نبيل، وأكثرها مرتبط بعطايا المال أو تقديم تسهيلات مادية في إطار العمل والتكوين الصحفي والمهام بالخارج، أو في ظروف صحية وعائلية حرجة، فقد كان طبعه الكرم والسخاء والجود في كل أحواله، مهما بلغت به الضرّاء.

في مستوى العائلة، الأخ علي فضيل، رحمه الله، هو ابن إمام وشيخ مسجد في مسقط رأسه، وأنتم تعلمون أن المؤسسة المسجديّة كانت ولا تزال في التنظيم الاجتماعي المحلي مقصدا لذوي الحاجات بمختلف مطالبهم، وقد عاش الفقيد بلا شك قصص تلك المرحلة الطفوليّة مع والده الحاج مسعود، رحمه الله، ومعها انغرست في ذاكرته الوجدانية وعقله الباطن قيمة العمل الخيري منذ الصغر، وكبر على قيم العطاء والإحسان إلى الفقير والمحتاج من غير تكلف ولا طلبٍ للأضواء.

وهنا نفتح قوسًا للقول، في حدود ما نعلم، إن برنامج “وافعلوا الخير” انطلق على قناة “الشروق” العامة قبل حوالي 15 عامًا بتوصية من والد العائلة نفسه، رغبة منه في مواصلة عطائه على درب الخير، ليكون صدقة جارية عليه، فما كان من الابن البارّ علي فضيل إلا أن يتلقف الوصية بشغف وافق هوى قلبه، قام يقف على كل مراحل تنفيذها.

بهذا الصدد، يذكر المرحوم علي فضيل في شهادة له عام 2017، أنه كان يتابع بنفسه إعداد البرنامج وقصصه الإنسانية حالة بحالة، رغم انشغالاته الكثيرة، وللأمانة فقد رافقه في ذلك، ثم ورث عنه هذا الحرص النبيل، أخونا الأكبر الأستاذ رشيد فضيل.

عندما ذاع صيت البرنامج الخيري بعد 5 سنوات من انطلاقته الأولى، بادر المرحوم بإطلاق مؤسسة “وافعلوا الخير”، ليرتقي بالعمل الخيري الإعلامي من المبادرة الفردية إلى الإطار المؤسسي التنظيمي التخصصي، حيث شكل ذلك قفزة هامة للبرنامج من جهة، ولتأطير العملية الخيرية من جهة اخرى.

ولا يخفى عليكم ان مأسسة الفعل التبرّعي ضمانة أساسية في التزام معايير النزاهة والشفافية والضوابط القانونية وحوكمة الإدارة الخيرية، حتى يكون المحسن مطمئنا تماما إلى وصول صدقاته نحو مستحقيها، وذلك ما كان يصبو إليه المرحوم ضمن مستهدفاته الأساسية.

في الخلاصة نقول إن رؤية المرحوم علي فضيل قامت على تحويل مجمع “الشروق” إلى “مؤسسة مواطنة اعلامية”، في وقت لم يكن فيه هذا المفهوم شائعا عمليا، حتى لا تكتفي بالمهام التقليدية لها، بل تنفتح على المجتمع برافد خيري لم تكن ملزمة به وفق أعراف المهنة.

وهذا التفكير قديم في مشروعه الإعلامي منذ جريدة “الشروق العربي” الورقيّة مطلع التسعينيات، والتي ضمت ركنا للنداءات الاجتماعية والمساعدة على الزواج، ثم رعاية قوافل الإغاثة نحو فلسطين، ومواطن أخرى من بلاد المسلمين، والمساهمة فيها بماله الخاص، وصولاً إلى مؤسسة “وافعلوا الخير” بشكلها الحالي.

فرحم الله علي فضيل، ووالديه، ومنْ قضى من أشقائه، وجعل كل ما بذله هذا مجمع “الشروق”، وما سيبذله في تفريج الكربات، تثقيلا لميزان حسناتهم يوم القيامة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!