الشروق العربي
 الممثل الراحل مدني نعمون:

“عمي برهان”.. عقود من الفن الراقي والارتجال الجميل

صالح عزوز
  • 738
  • 0

رحل الفنان القدير، مدني نعمون، وهو يعانق الصمت في إحدى العيادات الخاصة بالجزائر العاصمة- دالي إبراهيم-. فنان ركب صهوة الفن المحافظ والأصيل، منذ الصغر، وهو يداعب براءته في الحي العتيق، القصبة بالجزائر العاصمة.

 استطاع أن يصنع لنفسه اسما خالدا، تتوارثه الأجيال طويلا، وتبقى ذكرياته الفنية متعلقة بذاكرة جيل كامل، عرفه في السنوات الأخيرة، عبر مسلسل “السلطان عاشور العاشر”، باسم “عمي برهان”، الذي برهن حقا، أن الفن الهادف والراقي، لا ينطفئ نوره ورسالته، ولن يفل رغم ضوضاء الدخلاء ولا المتسلقين، وسوف يبقى ابن مدرسة عريقة صنعت المجد والخلود للمسرح والتلفزة الجزائرية. ويكون بذلك شاهدا على جيل كامل قدم للمكتبة الفنية الجزائرية، النجاح على طبق من ذهب، ومهد الطريق أمام جيل المستقبل، ليكون خير وريث للفن الهادف.

رحلة فنان.. من الأبيض والأسود إلى الألوان

من السهل، أن تصبح فنانا في زمن قصير، خاصة ونحن نطرق أبواب عصر التكنولوجيا الحديثة من كل الجهات. هذه الأخيرة، مهدت الطريق أمام كل من هب ودب، لأن يدخل بيت الفن، وفي بعض الأحيان دون إذن. لكن، من الصعب، أن تحافظ على هذا اللقب لعقود طويلة، وهو ما حققه “عمي برهان”، الذي لامس الأبيض والأسود وداعب الألوان، وهذا يترجم قصة نجاح ملونة بجميع الألوان، ليس من السهل أن تجمع بينها. لذا، يعتبر من بين الفنانين القلائل الذين، حققوا هذا الامتياز.

لقد اختار “عمي برهان”، لأن يكون فنانا، وأن يثري خزانته الفنية، عبر الفن الرابع، وعالم الطفولة، التي داعب خلالها طموحاته في أن يصبح له اسم يضاف إلى جنب عمالقة الفن في الجزائر، وهو ما تحقق حتى ولو اعتبره الكثير من المتتبعين والمختصين كان متأخرا. وهنا، يقصدون عالم الشاشة والأضواء، لكن التأخر خير من عدم المجيء كما يقال، كما أن الحضور لا يقاس بعدد السنوات، لكن بقوة الـتأثير في عالم الفن، وهو ما حققه “عمي برهان”، الذي دمعت عينا كل ما سمع بخبر وفاته، سواء من أبناء جيله الذين سار معهم جنبا إلى جنب منذ عقود كثيرة، أم من الجيل الذي كان له شرف الجلوس إليه ومعرفته عن قرب، من خلال العديد من أعماله الراقية.

هو ابن الحي العتيق القصبة بالجزائر العاصمة، ولد سنة 1944، الحي الذي أسس لنفسه وعالمه الفني، وكانت الانطلاقة منه، من خلال الأثير الإذاعي، حين داعب ميكرفونه، وهو لم يتجاوز سن العاشرة، ومنه بدأت حكاية “مدني نعمون”، الإنسان الطيب واقعا وتمثيلا، تلامس فيه هذا الكرم وأنت تجالسه حتى دون معرفة سابقة، هو ضاحك مبتسم لكل من حوله، ويرافق الجميع بنفس الشعور والإحساس، إحساس التقدير والاحترام، دون النظر إلى المنصب ولا إلى المهنة، بل يلامس إنسانية الأفراد لا غير.

الوقوف عند “عمي برهان” اليوم، بعد رحيله، وقوف اعتراف بفنان، رحل في عز الصمت، رحل ولم تفارق ابتسامته محياه الجميل، رحل رغم الألم، لكنه احتفظ به لنفسه، ووزع على من يجلس إليه في الأيام الأخيرة الأمل، ولم يصفق للعجز ولا للمرض وبقي صامدا، كصمود إرثه في عالم الفن، الذي توزع بين المسرح والتلفزيون بنفس الروح والدعابة والطيبة، التي من الأكيد أنها سوف تبقى خالدة خلود اسمه في ذاكرة الفن الجزائري.

“عمي برهان” لامس قلوب الجزائريين بفنه 

قبل أن يصل الراحل مدني نعمون إلى “عمي برهان”، مر عبر “الغولة”، ولم تخفه رغم حكايات الخوف التي تروى للأطفال الصغار، كما عاش “احمرار الفجر”، وهو ذلك الزمن القليل، قبل أن تسرقه شمس الضحى، ليصنع بعدها شعاعا جديدا في عالم الفن، ويضيفه إلى مسيرته ومكتبة الثقافة الجزائرية، ورغم أنه “المحقور”، إلا أنه بقي إنسانا يداوي جرح الغلابى، ويزرع الورود بدل الشوك أمام كل المهمشين في هذا العالم، ويمد يده إليهم من أجل رفع رأس الشموخ والوقوف منتصبي القامة أمام كل العراقيل والمتاعب. لم يكن من الصعب على الراحل مدني نعمون، أن يلامس قلوب كل محبيه، خلال “السلطان عاشور العاشر”، فقد كان عم كل الجزائريين، في هذه السلسلة، تلك الشخصية التي تصنع الحكمة والوقار، استطاع بذلك، أن يلامس القلوب بصفاء قلبه.

قبل أن يترجل عمي برهان، ترك رسالة مرئية يمكن لكل من عرفه عبر الشاشة أو على الخشبة، أو في السنوات الأولى، حينما بدأ التأسيس لمكتبته الفنية، أن يراها، وهي أن الفن رسالة قبل أن يكون شيئا آخر، قبل أن يكون شهرة ومالا، قبل أن يكون خلقة وجمالا، وهو ما عجز عن صنعه الكثير ممن ينتمون إلى هذا المجال، حينما تعلقوا بالمظهر وليس الجوهر، حينما تعلقوا بالاصطناع قبل العفوية والارتجال، وهي

رسالة واضحة إلى الجيل الجديد، حتى وإن لم يحملها ويقرأها على الملإ، إلا أنها واضحة وضوح الشمس، في ما قدمه وما تركه في الخزانة الثقافية الجزائرية.

وفي منتصف جويلية الماضي، يرحل عمي برهان في عز الصمت، يرحل وقد لامس ستة عقود في الفن الراقي، يرحل وقد عاش ثمانين سنة، بين الإنسان والفنان، وبينهما الطيبة والإبداع، والوقار والأناقة، ليترك المجال بعده، لمن يريد فنا راقيا يذكر به بعد رحيله، فعمر الفنان بين محبيه مرتب بالنوعية وليس الكمية، كما يعتقد البعض.

مقالات ذات صلة