عناد ومكابرة .. أو إذعان وتسليم؟!
ألف الفيلسوف الفرنسي “فولتير” مسرحية سخر فيها عبقريته من أجل محاولة النيل من شخصية الرسول صلى الله وملائكته عليه وسلموا تسليما، وقدمها هدية للبابا تقربا إليه وإرضاء له؟
ولكن بعد إطلاعه على حقيقة الإسلام وسماحة شريعته صحا ضميره وعزم على التكفير عن ذنبه، فكتب مقالا يخاطب فيه قراءة من المسيحيين الذين يظلمون الإسلام جهلا، قائلا: “أيها الأساقفة والرهبان والقساوسة، إذا فرض عليكم قانون يحرم عليكم الطعام من الرابعة صباحا إلى العاشرة مساء وفي عز الصيف، عندما يحل الصيام في الصيف، ويحرم عليكم الميسر وشرب الخمر، وإذا فرض عليكم الحج في صحراء محرقة، وإذا فرض عليكم إعطاء مقدار من مالكم للفقراء، وإذا كنتم تتمتعون بعشرين زوجة أو أكثر أحيانا ثم جاء من يحددها بأربع، هل يمكنكم أن تدعوا بأن هذه الشريعة شريعة لذة وجنس؟!”
عندما يقرأ الإنسان لبعض رجال الفكر والعلم والأدب في الغرب ممن يفصحون ـ مثل فولتير ـ عن مواقفهم من الدين فإنه يعجب للتناقض الكبير الذي يلحظه في هذا الموقف. نص ديني واحد يتعامل معه هذا العالم أو هذا المفكر فيعلن صراحة “إيمان عقله” وإن لم تذعن بعد عاطفته، ويتعامل معه عالم أو مفكر آخر فيعاند ويكابر ويكبت عمدا صوت الفطرة فيه حتى “لا يعلن إيمانه” قال “سيرجيمس جينز” في كتابه “عالم الأسرار” إن في عقولنا الجديدة تعصبا يرجح التفسير المادي للحقائق، إن أبواب العقول المادية موصدة دون أي كلام مهما يكن علميا عن الله سبحانه وعن الدين، ومن المؤكد أن هذا الموقف لم يكن بسبب ضعف الاستدلالات العلمية وإنما ذلك راجع إلى التعصب المقيت ضد الأفكار الدينية!
وذكر “وايتكر شامبرز” في كتابه “الشهادة” حادثا كان يمكن أن يصبح نقطة تحول في حياته، فقد ذكر أنه بينما كان ينظر إلى ابنته الصغير استلفتت أذناها نظره فأخذ يفكر أنه من المستحيل أن يوجد شيء معقد ودقيق كهذه الأذن هكذا بالمصادفة وبمحض اتفاق، بل لا بد أن يكون قد وجد نتيجة إرادة مدبرة!
لكنه طرد هذه “الوسوسة” عن قلبه حتى لا “يضطر” إلى الإيمان ـ منطقيا ـ بالذات التي أرادت ودبرت وأبدعت، لأن ذهنه لم يكن مستعدا لتقبل ذلك! ولعل النظرية التي أفرزت ردود فعل متناقضة أكثر في أوساط العلماء والمفكرين هي نظرية “داروين” وذلك بالنظر إلى امتداد مساحة حركتها، هذه النظرية التي يقول كثير من العلماء إنهم لا يؤمنون بها إلا لأنه لا يوجد أي بديل لها سوى “الإيمان بالله!.” ومن هؤلاء “سير أرثركيت” الذي قال: “إن نظرية داروين في النشوء والارتقاء غير ثابتة علميا ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الدين والإيمان بالله، وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه!”
ويقابل هذا الموقف قول عالم الطبيعة الأمريكي “جورج إيرل دافيدس” لوكان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإن معنى ذلك أن يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحال سنضطر إلى الإيمان بأن الكون هو الخالق وهو الله، ولكن هذا الإله سيكون عجيبا لأنه إله غيبي ومادي في وقت واحد!.. وإنني أفضل أن أومن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي وهو ليس جزءا من هذا الكون، بل حاكمه ومدبره، بدلا من أن أتبنى مثل هذه الخزعبلات!..
هذه المواقف المتباينة من الدين ترتبط كلها مع ذلك بعنصر أساسي مشترك ثابت هو ذلك “النزوع الفطري” الموجود عند كل إنسان، نزوع فطري إلى عقيدة تحتوي وجوده وتعطيه معنى وهدفا، وتقدم أجوبة شافية لمعنى الحياة والموت ومصير الإنسان بعدهما، نزوع قوي قد “لا يعيه” الإنسان وعيا مباشرا ولكنه يحسه إحساسا عميقا؟
هذه الحقيقة المسلم بها في مستوى الفرد تنطبق كذلك على المجتمع الذي يعاني فراغا عقيديا ولا يؤمن بغير الفكر الوضعي للإنسان مصدرا للقيم والتشريعات والنظم. ففي مثل هذا المجتمع كثيرا ما تلبس الثورة أو الحركة الإصلاحية ثوب “العقيدة” التي تلبي ذلك الصوت الفطري، عندما يتم استئصال قيم ومبادئ وأفكار لغرس قيم وأفكار ومبادئ جديدة في نشوة من الرضى والتفاؤل! قد يطمئن إلى ذلك جيل أو جيلان في مسيرة حياة هذا المجتمع، ولكن صوت الفطرة لا يمكن كبته طويلا، فيعود بقوة عندما يشرع الجيل الثالث أو الرابع في “تقييم أمجاده” فيكبر قلقه وتعظم حيرته عندما يجد نفسه أمام واقع جديد متميز بهمومه ومشكلاته من جهة، وأمام “إرث” محنط عاجز عن أي عطاء من جهة أخرى. وهكذا يبحّ صوت التاريخ وتتفكك حلقاته وينقطع التواصل بين الأجيال في مجال القيم الجوهرية الثابتة التي لا تثمرها إلا العقيدة، وتبدأ المغامرة من جديد باسم حتمية التغيير والتجديد!.
ولكن سرعان ما تسقط رموزها داخل الذات قبل أن تسقط خارجها لأنها ببساطة، مثل سابقاتها، إصلاح شكلي لم ينفذ إلى العمق، إنه إصلاح لقمة جبل الثلج التي تبدو فوق السطح المتجمد وليس للجبل الهائل الضارب في أعماق المحيط!.