الرأي

عناصر قوة الانتصار التي تصنع هيبة الجزائر التاريخية…

محمد سليم قلالة
  • 1324
  • 0

تتبدل الأوضاع وتتغير الظروف بالنسبة للشعوب والبلدان، وتجد نفسها أحيانا في موقع الحيرة الاستراتيجية لا تعرف إلى أين تتجه وماذا تفعل، مما يؤدي بها أحيانا إلى خيارات غير مدروسة أو قرارات تكون رهينة تجاذبات اللحظة الآنية أو حتى رهينة أمزجة أفراد ذوي مصالح ضيقة، وكثيرا ما حدث هذا، سِوى عند الشعوب والدول التي لديها مرجعيات ثابتة سقتها بدماء شهدائها، دوما تجد المصادر التي توجهها وتحكم قراراتها وتمنع عنها الانزلاق والتيهان أو القيام بخيارات تناقض طبيعتها وعمقها التاريخي والفكري والسياسي والحضاري…
وهو ما ينطبق تماما مع بيان أول نوفمبر التاريخي بالنسبة للجزائر، ومع كل تلك المواثيق الثورية التاريخية التي جاءت من بعده لِتعززه وتطور أدواته التنفيذية من الصومام إلى برنامج طرابلس إلى ميثاق الجزائر فالميثاق الوطني فباقي اللوائح والسياسات التي ما كانت تستطيع التخلي عنه، وإنْ تَضمَّنت الكثير من الاجتهادات التي كانت في كل مرة تسعى للتكيف مع مستجدات المرحلة دون الانحراف عن الخط المِحدِّد لإطار كل من الحركة السياسية والاجتماعية الداخلية والخارجية للمجتمع الجزائري.
لذلك بات واضحا لكافة القوى السياسية الوطنية اليوم، مهما كانت توجهاتها أنه في غير مقدورها السعي للخروج عن الإطار المرجعي الأول للدولة مهما ادَّعت التأصيل أو التجديد في مبادراتها، وذاك من عناصر القوة لأية دولة ذات مرجعيات تاريخية وذات مصادر فكرية صهرت أبناءها من خلال الدماء والدموع والتضحيات الجسام. كما بات واضحا لكافة القوى الدولية أنْ ليس عليها السعي لِمحاولة تغيير توجهات وطن يرتكز على مثل هذه القوة المرنة والصلبة في ذات الوقت التي تشكل أساس قوته المادية والمعنوية.

الهيبة الجزائرية التاريخية
وهكذا باتت الكثير من القوى التي تسعى للمساس بسمعة الجزائر تخاف الاقتراب من دائرة مبادئها الثابتة، وأخرى مما لا تملك تاريخا حافلا تعود جذوره إلى أعماق التاريخ أو تاريخا محدودا في الزمان، تشعر بالدونية منها، وإِنْ امتلكت الوسائل والإمكانيات المالية الضخمة، وإن صَنّفت نفسها ضمن القوى الكبرى أو الصغرى أو الإقليمية أو المحلية… جميعها تبقى تخشى التعامل مع عناصر هيبة تاريخية للجزائر لم تتآكل مع السنوات والعقود.
ولعل هذا ما يشكل الأساس الأول للجزائر المنتصِرة، قبل الحديث عن الإمكانيات والإنجازات وعناصر القوة المختلفة، إنه سابق لأي من عناصر التفاعل أو التعامل أو التعاون أو حتى الصراع الأخرى. دائما هناك شعور لدى الطرف الذي يسعى لإلحاق الضرر ببلدنا أو المساس بسمعته، أنه في الأخير سينهزم وإن ربح بعض النقاط في بعض الجولات.. أليست هذه قوة غير مرئية حبانا بها الله- تعالى- مستجيبا لتضحيات الشهداء الأطهار؟ ألم نر كيف تجسَّدت في أكثر من مرة منذ يوم استعادة الاستقلال الأكبر؟ مَن كان يتصور أنه يمكن هزيمة فرنسا المدعومة بالحلف الأطلسي انطلاقا من حسابات ميزان القوة العسكري والاقتصادي والمادي بشكل عام؟ هل تصور أحد أن شعبا مستعينا بالله تعالى ومتسلحا بإرادته واستعداده للتضحية يُمكنه أن يُغيِّر من انتماء إقليم بحجم مساحة الجزائر من التبعية للحلف الأطلسي (باعتباره آنذاك جزء من فرنسا العضو المؤسس) إلى استقلاله التام عن كافة التكتلات وإعلان نفسه بلدا غير منحاز بكل ما تعني الكلمة من معنى، داعما كافة القوى التي باشرت النضال مثله من أجل الحرية والاستقلال؟

فشل القوى اليائسة
ومع ذلك تحقق ما أرادت، واعترف العالم بذلك، ومازال العالم يهاب ذلك، وإن سعت بعض القوى الخائرة وإلى اليوم إلى إشاعة خطاب الهزيمة واليأس بين فئات المجتمع المختلفة في محاولة ليست هي الأولى لفصل الجزائر عن مصدر قوتها الأول والمنبع الذي لا ينضب لوجودها ذاته: تاريخها العريق ومبادئها المُسطَّرَة بدماء الشهداء…
في هذا المستوى تكمُن قوة الشعوب وقوة الدول، وليس في مستويات القوة الأخرى القابلة للتبدل والتغيير، وإننا لَنشعر بذلك في كل مرة يبدو وكأن توجها ما يريد أن يُهيمن على خياراتنا وانتمائنا ووجودنا، أو أن قوى معادية تمكنت من بعض القوة ونفذَت من بعض الثغرات لتتلاعب ببعض المعطيات أو الحقائق في محاولة منها لاعتبار تجديد الشعور بالانتماء لنوفمبر ليس سوى محاولة يائسة عفا عنها الزمن ينبغي التنصل منها واعتبارها من خرافات الماضي…
أليس هذا ما تقوم به بعض القوى اليوم وهي تزعم طرح بدائل “عالمية” تُعوِّض وتحل محل البديل الوطني تحت تسميات مختلفة مُستغِلة في ذلك قدرة التكنولوجيا الحديثة العابرة للحدود والقادرة للنفاذ للعقول وإحداث ما يلزم من إرباك بها لكي تتنصل من التاريخ وتستبدل دائرتها الوطنية والحضارية بدائرة عالمية غير مرئية تقتل لديها الانتماء للوطن وتهز الثقة التي بداخلها لأجل أن تكون متميزة عن غيرها وفية لآبائها وأجدادها؟
بكل تأكيد إن ذلك هو ما نشعر به جميعا، وهو ما يحفزنا أكثر ويدفعنا إلى مزيد من العمل والجهد لكي نصون هذا العمق التاريخي الكبير الذي نتميز به، وكثيرا ما لا نشعر بقيمته أو لا نجد من يُذكِّرنا بذلك.

العناصر صانعة القوة
ولعل مثل هذه المناسبات تعد الفرصة الأهم بالنسبة لنا لنُذكر أنفسنا بما تضمنته وثائقنا التاريخية من مبادئ باعتبارها عناصر قوة ومصدر إلهام وتجديد ووقاية وحماية لنا من الانحراف عن الطريق، أو الوقوع ضمن استراتيجيات مضادة تمنع عنا تحقيق الانتصار.
فعبارات تضمنها بيان أول نوفمبر مثل “الاستقلال الوطني”، “وحدة العمل”، “المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات التافهة والمغلوطة لقضية الأشخاص والسمعة”، “وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي”، “الاستعمار هو العدو الوحيد الأعمى”، “تصفية النظام الاستعماري”، “المساواة والاحترام المتبادل بين الدول”… وغيرها تبقي حية إلى اليوم وقابلة لكي تكون أساس انتصارات جديدة.
فاليوم مازالت بعض الشعوب لم تذق طعم الاستقلال الوطني وأخرى تعيش استقلالا محدودا في ظل الهيمنة والسيطرة الأجنبية والتبعية الكاملة وثالثة تعيش “الاستقلال” في ظل الإهانة والإذلال من قبل الأقوياء، وكثير منها يخشى التصريح بأن “الاستعمار هو العدو الوحيد” فما بالك أن يدعو إلى “تصفية النظام الاستعماري”.. واليوم أيضا مازالت بعض الدول لا تريد بناء علاقات بين بعضها البعض على أساس “الاحترام المتبادل” إنما على أساس السيد والعبد المطيع وكثيرا ما شهدنا ذلك، وإلي اليوم مازالت السياسات الداخلية والخارجية والمصالح الوطنية تُبنى على أساس اعتبارات تافهة، مغلوطة لقضية أشخاص وسمعتهم الفردية، وإلي اليوم مازالت بعض القوى ترفض قيام وحدة شمال إفريقيا في إطارها الطبيعي العربي والإسلامي مفضّلة تفتيت المنطقة بين الدول الكبرى وإقحامها ضمن نزاعات حدودية لا نهاية له… وقس على ذلك بقية المبادئ التي تضمنها بيان أول نوفمبر التاريخي وما لحقه من أدبيات ثورية وسياسية مسجلة في وثائق تاريخية مازالت حية إلى اليوم…
ألا يمنحنا هذا عناصر قوة فريدة من نوعها افتقرت إليها الكثير من الدول أو كانت لديها وتخلَّت عنها؟ ألا يجعلنا هذا نؤكد في كل مرة، أن التمسك بموروثنا التاريخي الثوري النضالي هو جوهر عمقنا الاستراتيجي والإطار الأمثل لحركتنا السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية وأساس قوتنا التي لا تنضب والتي تضع بقية الشعوب والأمم الأخرى أمام خيارين تجاهنا لا ثالث لهما: إما تعاملنا باحترام وتقدير متبادلين أو تُدرِك مسبقا أننا نمتلك ما يكفي من عناصر قوة وهيبة لكي نتعامل معها…

مقالات ذات صلة