الرأي

عندما تتحول “الذروة” إلى حلم!

ح.م

 لا حديث في العالم في هذه الأيام الوبائية العصيبة، سوى عن “الذروة”، بين من يعتبرها مصيبة لابدّ منها، يحلم بها الناس ليصلوا سريعا إلى قمة جراحاتهم، ويباشروا لملمتها، ومن يعتبرها رعبا قد يدوم عدة أسابيع وربما شهورا.

ولأول مرة في تاريخ البشرية لا يستطيع العالم ترديد مقولة ويليام شيكسبير: “أكون أو لا أكون”، إذ وصل الحال إلى الاقتناع بأن الإنسان “لن يكون”، أمام هذا الفيروس، الذي أرجع الإنسانَ إلى حجمه الحقيقي، ككائن لم يُؤتَ من العلم إلا قليلا، فصارت “الذروة” وهي أكبر عدد من الموتى بالفيروس الغريب، حلمَ البشرية.

في الولايات المتحدة الأمريكية يختلف الرئيس ترامب مع الطواقم الطبية في تحديد زمن الذروة، وفي إنجلترا كل “الاستشرافات” عن زمن الذروة سقطت في الماء، بينما غيّرت فرنسا شرحها لكلمة الذروة بعد أن لاحظت بأن ما يجري في إسبانيا وإيطاليا، وحتى في الصين هو مجرد “جنون” فيروس، لا يُبقي ولا يذر، غير معترف بمنحنيات يرسمها البشر بين صعود ونزول وذروة، أما في دول عربية أخرى، ومنها الكويت وتونس والأردن، فهي تأمل بأن تكون حاليا في زمن الذروة بأرقام لن تعرف الارتفاع مستقبلا، وفي كل هذه البلاد يُبذل جهدٌ إنساني خرافي، بالمقلوب، لا يطلب من الإنسان العمل والحركة والاجتهاد، وإنما الخمول وإن استطاع النوم والبقاء في سريره في البيت.

في الجزائر، مازالت الأرقام “خبط عشواء” على حد تعبير الشاعر زهير بن أبي سلمى في معلقته الشهيرة؛ فهي تارة تمنح جرعة أمل للمواطنين، وتارة أخرى تصيبهم بالصدمة والحزن، ولا أحد يتحدث عن ألم أو أمل “الذروة”، التي مازال العالم مختلفا في وصفها بدقة، ولكنه متفق على أن بلوغها بنجاح، يتطلب صرامة أكبر، في تطبيق الحجر.

لم يعُد مطلوبا من الجزائريين الذين حلموا بالتغيير الشامل، في شتاء السنة الماضية، فمشوا بالملايين في الشوارع، وتذوّقوا الفرح في الصيف الماضي، بفوز منتخبهم في مصر باللقب القاري، فاحتفلوا بالملايين، سوى أن يجتازوا هذه “الذروة” بأقلِّ الخسائر ولن نقول من دونها، بالابتعاد عن “العنترية” في غير محلها التي نشاهدها حاليا في بؤر الوباء في البليدة وفي العاصمة، فما بالك ببقية الولايات، حيث مازال الوعي مفردة غائبة.

مرَّ وباءُ كورونا بعدة مراحل، ولا أحد يعلم إن كان مازال في بداية طريقه المبيدة للبشر، أم إنه في منتصفه، فكانت المراحل الأولى في الصين، التي اكتوت لوحدها، وقدمت مأساتها وطريقة تعافيها للعالم، وانتقل إلى إيطاليا ثم إسبانيا ففرنسا، وكلها جارات متوسطية للجزائر، فاكتوت هي أيضا وبدأت تتعافى، وقدّمت جميعا دروسا وعِبرا عن خطأ الإنسان وطريقة تصحيح خطئه، وسيكون مؤلما أن لا نأخذ من دروس الآخرين، بأخطائهم واجتهاداتهم، خاصة أن النجاح هذه المرة لا يتطلب سهرا ولا بذلا ذهنيا أو بدنيا، بل مجرد جلوس وثبات، ومن غير المعقول، أن يعجز بعض الناس في العمل ويعجزون أيضا في اللاعمل.

مقالات ذات صلة