الجزائر
ملائكة الرحمان لا وجود لهم في الجزائر

عندما تتحول القابلة إلى كابوس يخيف الحوامل

الشروق أونلاين
  • 19946
  • 109

لعل كل من رزقت بأبناء لها حكاية مع حملها، وأغلب القصص الغريبة والمؤلمة في الوقت نفسه هي تلك التي وقفت عندها العديد من النسوة يوم الإنجاب، ففي مرحلة تكون فيها الحامل أكثر تأثرا وبنفسية محبطة وخوف لا يسكنه سوى صرخات الرضيع عندما يخرج إلى الحياة بعد 9 أشهر من الانتظار، هي الحالة العامة التي تكون عليها الحامل ساعات قبل موعد الإنجاب التي من المفروض أن تلقى فيها كل الدعم والمواساة من طرف الأهل، الزوج ومستقبلي الحامل بالمستشفى، غير أن الأم تجد نفسها في صراع من نوع آخر مع القابلة أو المعروف عنها بـ”الساج فام” التي تحولت بالنسبة لها كـ”غول” مخيف لما يصدر عنها من تصرفات لا تليق بكنيتها، والتي تدل عند الغرب على المرأة الوديعة العاقلة.

وإن تعددت الأسباب بخصوص التصرفات غير الإنسانية في بعض الأحيان والصادرة عن القابلة، والتي يرجعها البعض إلى الضغوطات اليومية، المهنية، ناهيك عن المشاكل الاجتماعية التي تمر بها هذه الأخيرة، غير أن ذلك لا يجرنا لتقبل مرارة الأمر الواقع، الذي تحول إلى ظاهرة غير مقبولة بمستشفياتنا، خاصة إذا تعلق الأمر بالصحة التي أضحت على المحك بكل أوجهه، بالرغم من أنه يفترض أن تكون ملائكة الرحمان وهو اللقب الذي يمنح لمن يقوم بدور مهنة التمريض التي ترتكز على أساسيات قويمة لا يفهمها أو يجيدها إلا من تخلق بصفة الرحمة والعطف والإنسانية، وهي ليست دراسة أو علوم تمنح أو دورات تعليمية فحسب، بل هي أخلاق حميدة وصفات إنسانية نبيلة، لإتقان فن التعامل والتخاطب مع المرضى والسعي نحو تخفيف آلامهم والأخذ بأيديهم للشفاء ومقاومة المرض، وذلك لا يتأتى إلا إذا امتلك أفراد هذه المهنة قلبا إنسانيا ينبض بالرحمة والرفق واللين حسب ما تمليه المهنة.

وقد أبدت العديد من النسوة الحوامل أو تلك اللواتي وضعن حملهن حديثا في حديث لـ”الشروق”، عن تذمرهن لما آلت إليه الأوضاع بمختلف مستشفيات الوطن، فلا أماكن شاغرة بأسرة لاستقبالهن ولا حتى تصرفات إنسانية صادرة عن القابلة التي أصبحت أغلبهن بمثابة الكابوس الحقيقي الذي يخيف الحامل بعد هستيريا أوجاع الحمل والولادة، وتشير الشكاوى إلى المعاملة السيئة التي تتلقاها النسوة فبعضهن تتلقى الإهانة والبعض الأخريات تحدثن عن الألفاظ الجارحة التي تزيد من تعقيد نفسية الحامل التي هي على وشك الولادة، وتقول إحداهن أن إحدى القابلات بمستشفى معروف بالعاصمة قالت لها وهي تتوجع على وشك الولادة “وعلاش تعيطي شكون قالك اولدي”، “بلعي فمك” في حين تقول كافة التصريحات أنهن لا يجدن أنس فوق طاولة الولادة بسبب تلك التصرفات غير الإنسانية حتى قيل لنا أن بعضهن يتعرض للإساءة المعنوية لدرجة لا تحتمل، في ظروف تتطلب أن تراعى فيها نفسية الحامل مثلما يحدث في الدول الغربية والمتطورة.

اكتظاظ لا يطاق..وظروف استقبال كارثية

تشهد مصالح الولادة بكبرى مستشفيات العاصمة المعروفة وكذا بباقي ولايات الوطن اكتظاظا لا يطاق، حيث أدت بعض المعاينات الميدانية عبر العديد من تلك المصالح إلى الوقوف عند النقائص والمشاكل التي تتفاقم من سنة لأخرى، وتشير بعض المواقف إلى أن هذه الظاهرة غير المرغوب فيها، والتي أضحت تلازم الممرضين والقابلة على وجه الخصوص خلال السنوات الأخيرة، إلى أن ظروف الاستقبال تعد جد كارثية، فلا معاملة طيبة يتلقاها المريض ولا حتى ظروف الاستشفاء ترقى إلى المستوى المطلوب، فكل الشكاوى تشير إلى أن الاكتظاظ أضحى سيد الموقف بجميع المصالح خاصة الموجهة للتوليد، حيث تؤكد النسوة أن الأسرة أضحت لا تكفي العدد الهائل من الحوامل في حين يجبر الاكتظاظ بعضهن على إحضار الأغطية والأفرشة من منازلهم لوضعها على الأرض، حتى يمكن للحامل أو التي وضعت حملها المتابعة الطبية في ظروف أقل ما يقال عنها إنها قاسية، يحدث هذا أمام الارتفاع الكبير في عدد السكان الذي لم يقابله بناء ما يكفي من المستشفيات والمراكز الصحية، وتشير الشكاوى إلى أن الاستقبال أضحى النقطة السوداء بالمستشفيات انطلاقا من الحارس والمنظفة مرورا بالممرضين وصولا إلى القابلات، ويتعدى أحيانا إلى الأطباء الذين أصبح الواجب والضمير المهني لديهم غير وارد لدى العديد منهم حسب الشكاوى التي وقفت عندها “الشروق”، والتي تصر على أن الوساطة و”المعريفة” أصبحت كلمة السر المتداولة بكل مستشفى حتى يتلقى المريض والمواطن بشكل عام العناية الصحة اللائقة.

ضغوطات مهنية واجتماعية ونقص في التكوين

تشير الإحصائيات الصحية أن الجزائر تحصي 8 آلاف قابلة، توكل لكل واحدة منهن مهمة الإشراف على 800 عملية ولادة كل سنة، في الوقت الذي يصل فيه معدل الولادة السنوية 800 ألف ولادة، الأمر الذي يعني أن كل قابلة تشرف على ألف ولادة، في حين أن المعدل العالمي المتعامل به هو 175 عملية ولادة لكل قابلة سنويا، وهو ما يزيد من الضغوطات التي تعيشها هذه الأخيرة بعدما جعلت نسبة كبيرة تجبر على متابعات قضائيا بسبب ما يسمى بالأخطاء الطبية التي تظهر على المولود أو الحامل، والتي ترجع أغلبها إلى الاكتظاظ الذي تعرفه مصالح التوليد عبر مختلف المستشفيات إلى جانب مختلف الضغوطات المهنية الكثيرة والظروف السيئة التي تعمل القابلات تحت ظلها، دون ذكر عامل في غاية الأهمية وهو نقص التكوين لدى العديد منهن خاصة المقبلين على المهنة حديثا واللواتي لا يملكن خبرة وتجربة مهنية كافية، مما يعرض صحة الأمومة التي ستكون في خطر مستقبلا، بحيث ستكتفي القابلة بالإشراف على الولادة ووصف أدوية للأم دون معرفة لمضار ومنافع هذه الأدوية.

هروب جماعي نحو العيادات الخاصة

تشير كافة الآراء والمواقف أن الظاهرة القاسية التي أضحت تتصف بها القابلة خلال السنوات الأخيرة، جعلت من النساء الحوامل تفرن من المصحات والمستشفيات العمومية نحو العيادات الخاصة حتى ميسوري الحال يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاقتراض من أجل التخفيف من آلام الأم الحامل، خاصة لأولئك الذين يفتقدون للوساطة بالمستشفيات العمومية، ونظرا للاكتظاظ الذي تعيشه المصحات العمومية من جهة، إلى جانب الاستقبال والمعاملة السيئة الصادرة عن عمال المستشفيات من المنظفة إلى القابلة وغيرهم، تجبر النسوة على الهروب إلى العيادات الخاصة بدفع أموال باهظة، علها تجد العناية الصحية اللازمة لها، خاصة وأنه متعارف عليه أنه كلما تدفع أكثر كلما وجدت عناية لازمة لدى العيادات الخاصة.

مقالات ذات صلة