الرأي

عندما تقضي‮ ‬مصر بإعدام رموزها‮!‬

الشروق أونلاين
  • 2735
  • 0
ح.م
شعبان الشامي.. قاضي الإعدامات في مصر

من المؤسف حقا أن‮ ‬يتحوّل القضاء المصري‮ ‬وبهذه الطريقة الدرامية والمتسارعة،‮ ‬من مفخرةٍ‮ ‬لمصر إلى مهزلة تثير سخرية العالم،‮ ‬كان هذا هو خلاصة رد فعل العلامة الشيخ‮ ‬يوسف القرضاوي،‮ ‬الذي‮ ‬أحيلت قضيته إلى مفتي‮ ‬مصر مع ما‮ ‬يزيد عن مائة حالة من قيادات الإخوان المسلمين من بينهم الرئيس الشرعي‮ ‬الدكتور محمد مرسي،‮ ‬تمهيدا لتنفيذ حكم الإعدام فيهم‮. ‬ولا‮ ‬ينتظر المتتبعون لهذه القضية أن‮ ‬يخرج رأي‮ ‬مفتي‮ ‬مصر عن رغبة النظام الانقلابي‮ ‬ومنظوره المتعلق بسحق المعارضة والانتقام من رموز ونشطاء ثورة‮ ‬25‮ ‬جانفي‮ ‬التي‮ ‬أطاحت بالرئيس الأسبق حسني‮ ‬مبارك‮.‬

وإذا كان نظامُ‮ ‬المشير عبد الفتاح السيسي‮ ‬وزبائنه السياسيين والإعلاميين مازالوا‮ ‬يملكون من الوقاحة والجرأة على العبث باللغة وتدنيس معانيها باستخدام عبارات من شاكلة‮ ‬‭”‬القضاء الشامخ‮” ‬و”القضاء المستقل‮”‬،‮ ‬فإن تعيين القاضي‮ ‬شعبان الشامي‮ ‬الذي‮ ‬أصبح‮ ‬يُعرف في‮ ‬بعض الأوساط الإعلامية باسم‮ “‬قاضي‮ ‬الإعدامات‮” ‬كان بمثابة مؤشر كاف وتحضير استباقي‮ ‬لنوعية الحكم المعد سلفا على معارضي‮ ‬الانقلاب‮.‬

قاضي‮ ‬الإعدامات شعبان الشامي،‮ ‬يُعرف بأنه من أنصار نظام الرئيس المخلوع حسني‮ ‬مبارك،‮ ‬ومن المعارضين الشرسين لجماعة الإخوان المسلمين ولثورة‮ ‬25‮ ‬جانفي،‮ ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬يخفي‮ ‬ذلك،‮ ‬ورغم أنه قد تعرض،‮ ‬حسب تقارير صحفية،‮ ‬إلى تحقيق بتهمة إدارة شبكة دعارة خلال فترة حكم حسني‮ ‬مبارك،‮ ‬إلا أن كل القضايا التي‮ ‬تولى الحكم فيها في‮ ‬ملف الاتهامات الموجهة للرئيس الأسبق حسني‮ ‬مبارك وأبنائه صدرت بالبراءة‮. ‬وعلى العكس من ذلك،‮ ‬تميزت أغلب الأحكام التي‮ ‬أصدرها في‮ ‬محاكمات المتهمين من الإخوان المسلمين بأشد الإدانات،‮ ‬وأقصى العقوبات،‮ ‬حتى إنه ليخيل للملاحظ أن الابتسامة الساخرة التي‮ ‬يرسمها على شفتيه أثناء جلسات المحاكمة هي‮ ‬مجرد انعكاس خارجي‮ ‬لمشاعر التشفي‮ ‬وغليل الانتقام المكتومة في‮ ‬نفسية‮ “‬قاضي‮ ‬الإعدامات‮”. ‬ولأن شر البلية ما‮ ‬يضحك كما‮ ‬يقال،‮ ‬فعندما سئل عن قراره بإحالة أوراق فلسطينيين متوفين وآخر معتقل منذ عام‮ ‬1996بسجون إسرائيل إلى مفتي‮ ‬الجمهورية فيما سمي‮ ‬بقضية‮ “‬التخابر مع حركة حماس‮” ‬وتهريب السجناء من معتقل وادي‮ ‬النطرون،‮ ‬أجاب أنه لم‮ ‬يتلق أوراقا تفيد بذلك‮. ‬ولعل من حسن حظ الأسير الفلسطيني‮ ‬حسن سلامة أنه وقع في‮ ‬يد الأمن الإسرائيلي‮ ‬قبل أن تنظر في‮ ‬قضيته العدالة المصرية‮.‬

أما مفتي‮ ‬مصر شوقي‮ ‬علام الذي‮ ‬ينتظر أن‮ ‬يصدر فتواه‮ ‬يوم الثاني‮ ‬جوان المقبل في‮ ‬مصير قائمة المحكوم عليهم بالإعدام التي‮ ‬تضم أسماء كانت إلى وقت قريب‮  ‬تشكل نخبة القيادة الدينية والسياسية في‮ ‬مصر أمثال الدكتور الشيخ‮ ‬يوسف القرضاوي‮ ‬رئيس الاتحاد العالمي‮ ‬لعلماء المسلمين،‮ ‬الدكتور محمد مرسي‮ ‬رئيس الجمهورية الشرعي،‮ ‬الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين،‮ ‬المهندس خيرت الشاطر نائب رئيس جماعة الإخوان،‮ ‬الدكتور سعد الكتاتني‮ ‬رئيس مجلس الشعب السابق،‮ ‬الدكتور محمد البلتاجي‮ ‬الأمين العام لحزب الحرية والعدالة الذراع السياسي‮ ‬لجماعة الإخوان وأكبر حزب سياسي‮ ‬بعد ثورة‮ ‬25‮ ‬جانفي‮… ‬وعشرات السياسيين والدعاة المشهورين الآخرين،‮ ‬تميز مفتي‮ ‬مصر الحالي‮ ‬بكونه أكثر من شغلوا هذا المنصب في‮ ‬مصر تصديقا على أحكام الإعدام،‮ ‬فمنذ تولى مهامه في‮ ‬مارس‮ ‬2013‮ ‬بعد مصادقة الرئيس السابق محمد مرسي‮ ‬على تعيينه عقب انتخابه في‮ ‬هذا المنصب من هيئة كبار العلماء في‮ ‬مصر والتي‮ ‬كان الشيخ القرضاوي‮ ‬من‮  ‬أبرز أعضائها،‮ ‬اطلع المفتي‮ ‬على‮ ‬865‮ ‬حكم بالإعدام،‮ ‬أي‮ ‬بمعدل حكم بالإعدام في‮ ‬كل‮ ‬يوم من أيام شغله لهذا المنصب،‮ ‬كما كان قد أصدر في‮ ‬شهر نوفمبر‮ ‬2014‮ ‬فتوى أجاز فيها‮ “‬قتل أبناء سيناء وتهجيرهم من منازلهم‮”!‬

ورغم مرارة مجريات هذه القضية ومآلاتها الصادمة‮  ‬لمشاعر المحكوم عليهم فيها،‮ ‬وعلى نفسيات عوائلهم،‮ ‬وسلبية آثارها على سمعة مصر،‮ ‬فلم تخلُ‮ ‬مواقع التواصل الاجتماعي‮ ‬من تعاليق ساخرة ومستهزئة بأحكام القاضي‮ ‬شعبان الشامي،‮ ‬إذ سجل أحد المتابعين للقضية هذا التعليق‮: ‬‭”‬الحكم بالإعدام على العلامة القرضاوي‮ ‬جاء بسبب أنه ضعَّفَ‮ ‬حديث خير أجناد الأرض‮” ‬والحديث المقصود في‮ ‬التعليق هو الوارد في‮ ‬جزء من خطبة عمرو بن العاص،‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه،‮ ‬قائد الجيوش الإسلامية التي‮ ‬فتحت مصر،‮ ‬وجاء فيه‮: ‬‭”‬‮ ‬‭… ‬حدثني‮ ‬عمر أمير المؤمنين،‮ ‬أنه سمع رسول الله،‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول‮: ‬إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا منها جُندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض‮…”.‬

وللمقارنة فقط،‮ ‬فإنه قبل بضع سنين أصدر القضاء الأفغاني‮ ‬حكماً‮ ‬بالإعدام على أحد المواطنين الأفغان بسبب ارتداده عن الإسلام،‮ ‬وأكد القاضي‮ ‬أنه سيدعو تطبيقاً‮ ‬للشريعة الإسلامية المحكوم عليه للعودة مرة أخرى للإسلام،‮ ‬ولن‮ ‬ينفذ فيه الحكم إذا تاب،‮ ‬أو إذا أثبت الطب أنه مريضٌ‮ ‬عقليا،‮ ‬ولكن لم‮ ‬يمض سوى‮ ‬يوم واحد على صدور الحكم الابتدائي‮ ‬من طرف القاضي‮ ‬الأفغاني‮ ‬حتى هبت من‮ ‬غرب الكرة الأرضية عاصفة هوجاء من الإدانات والتنديدات والتهديدات تجاه القضاء والحكومة الأفغانية،‮ ‬وقد صدرت ردود الفعل الغاضبة في‮ ‬وقت متزامن من الولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬فرنسا،‮ ‬ألمانيا،‮ ‬إيطاليا،‮ ‬بريطانيا،‮ ‬كندا،‮ ‬النمسا،‮ ‬استراليا،‮ ‬الأمم المتحدة،‮ ‬الحلف الأطلسي،‮ ‬الفاتيكان‮… ‬فلم‮ ‬يبق أمام الحكومة الأفغانية التي‮ ‬وقعت بين نار التهديد الغربي‮ ‬المسيحي‮ ‬من جهة،‮ ‬وغضب الرأي‮ ‬العام الشعبي‮ ‬الداخلي‮ ‬المتمسك باحترام حكم الشريعة الإسلامية،‮ ‬سوى تسهيل تهريب المرتدّ‮ ‬الأفغاني‮ ‬إلى إيطاليا التي‮ ‬عومل فيها كلاجئ سياسي‮ ‬يستحق الحماية والرعاية‮.‬

فأين حقوق الإنسان في‮ ‬قضية الحكم بالإعدام على عشرات النشطاء السياسيين والدعاة المسلمين بسبب المعارضة السياسية لنظام انقلابي‮ ‬كان من العدل أن‮ ‬يمثل رموزُه أمام القضاء بتهم قتل آلاف الأبرياء من المعتصمين والمتظاهرين في‮ ‬الشوارع والساحات والمضربين من الطلبة والطالبات في‮ ‬المدارس والجامعات؟‮!‬

مقالات ذات صلة