-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عندما تَهتزّ المدرسة يَمرَض الوطن

لمباركية نوّار
  • 3071
  • 0
عندما تَهتزّ المدرسة يَمرَض الوطن

المدرسة كيانٌ مادّي تسري في مجاري شرايينه وظيفة تربية النّشء وتزويده بالمعارف بفضل عملية التّعليم والتعلّم. وتكسب المدرسة سمو مكانتها ورفعتها من عظمة رسالتها. ولمّا كانت درجة العلم مرموقة، فإن المدارس تأخذ أماكنها كمنارات شاهقات يشعّ منها نورٌ يضيء طريق الزحف أمام الشعوب.
عندما تخبو الأشعة اللائحة من المدارس، وتأتي حسيرة كسيرة، متعرّجة ومتقطعة، تتجه صوبها كل أنظار أفراد المجتمع، وتهبّ ناهضة لنجدتها عن بكرة أبيها. وقد حصل ذلك مع مدرستنا في الآونة الأخيرة تعبيرا على التعلق بها. ونقرأ في هذه الوثبة رسالة صريحة وشفافة تدعو إلى تجنب المساس بهيبة المدرسة ووقارها، وتحذر من جلب الفوضى والتشويش إلى ساحتها. ويدلّ ردّ الفعل الذي عشناه عن درجة متقدمة من الوعي المناعي المفرط الذي يرفض أن تهتز المدرسة حتى لا يمرَض الوطن.
والمدرسة كائن رهيف المشاعر، سريع الانجراح، وهي غاية في الإحساس والتجاوب مع التقلبات. ولا تتوقف عن التفاعل حتى مع أدنى الهزات وأخف الرجات وأصغر الرجفات التي تجوب المجتمع الذي توجد فيه، وتشق جسمه. وينطبع أثر ذلك منقوشا في صفحة تكوين من مرّوا بها للتزوّد المعرفي وتخرَّجوا منها. ويكون التأثير في شكله ومبلغه من جنس المؤثّر؛ فإذا هبّت على المدرسة زوابع وأعاصير تذبذب سيرها، فإن روّادها يسقون من عصير كأس القبح المذموم وهم جلوس على مقاعدها، وتنتابهم عاهات وتشوّهات تذوي مكتسباتهم وتعوّر تكوينهم، وتلازمهم أبد الدهر كالمرض المزمن العضال الذي لا يرجى برؤه، ولا ينتظر التعافي منه.
لا تأتي ثمار المدرسة طيّبة وناضجة إلا إذا تمتعت بالاستقرار، وساد فيها الهدوء والطمأنينة، وملأت السكينة والثقة حرمها وأقسامها، وضربت بينها وبين التشنجات المجتمعية بسور فاصل مبني بزُبر من الحديد يصعب ثقبه واختراقه.
لما كانت العملية التعليمية هي عملية بنائية، فإن البناء التكويني للمدرسة لا يمكن أن يعلو إلا إذا أخلص المعلم لرسالته، وحمل عبئها وآصارها في تجاويف قلبه قبل أن يضعها فوق كواهله، وأظهر تضحية وإخلاصا لا ينقص منهما توالي الأيام وتعاقب السنوات، وإنما يزيدهما إكثارا من العطاء المدمج بمستخلصات التجارب المكتسبة وتدبيجات الخبرات المقطوفة. ويخطئ المربّي (وأؤكد على كلمة المربي) إن اعتقد توهّمًا، وفي لحظة سهو، أن التعويض المادي، وحتى وإن كبرت الأكفّ التي تمنحه في أحجامها واتّسعت الجيوب في أبعادها، يمكن أن يكون معوّضا مقابلا نظيرا لجهده؛ فعطاؤه لا يقدَّر بأثمان ولا يُحسب بأوزان، إذ كيف يمكن إسداء حقّ من يبني وينشئ العقول، ويصقل النّهى؟.
تستطيع مدرستنا النظامية، وكأي مدرسة أخرى ذات صيت ووقع، أن تؤدي دورها وحدها، وهي مهيأة لذلك بفضل ما يحاز لها من نفقات باهظة وما تمتلكه من موارد بشرية تربوية مؤهَّلة. ولكن ظاهرة الدروس اللصوصية الخاوية زعزعتها وأضنتها بعد أن أصبحت تشكل ضرة شمطاء تنافسها الند للند. وأثرت في وظيفتها التربوية والتكوينية معا، وامتصت دمها النقي كما تفعل دودة العلق بمن تلتصق بعضو من أعضاء جسمه.
أرهقت الدروس اللصوصية المتعلمين الذين أصبحوا يتابعوها حتى في مقتبل الليل وهي فترة الراحة والسكون والنوم، وفي العطل المدرسية بصورة مكثفة، وفي ظروف تعيسة تهدد صحة أجسادهم، وحوّلتهم إلى أكياس وأوعية تُكدَّس فيها رزم وحزم المعرفة بطرق فوضوية مرتجلة، ولا تمتّ إلى أسس البيداغوجيا بأدني صلة. كما أنهكت هذه “الدروس” المبتورة جيوب الأولياء ولعقت كل ما فيها، وضيّقت عليهم العيش المستور، وفرضت عليهم نظاما اقتصاديا عائليا شبيها بنظام اقتصاد الحرب بكل ما فيه من إمساك وتقتير حتى في بعض الضروريات ومن تقشُّف محزن.
والمصيبة الكبرى، أنها أخرجت العملية التربوية بمعناها الواسع من المدارس وهجّرتها إلى المستودعات والمرائب والزرائب. وبقية الصورة معروفة، ولا تحتاج إلى إعادة رسم وتشكيل.
لمدرستنا الوطنية (ولا أقول العمومية) مقاصد ومرام وغايات وأهداف متعددة، تتوزع بين القريبة والبعيدة، وهي معروفة لا أرى من داع لذكرها. وفي المقابل، فإن الدروس اللصوصية الجافة قلّصت أمرها وأحكمت مرماها في هدف يتيم واحد، وهو تحقيق النجاح في الامتحانات الرسمية.
وقد تناست أن دور المدرسة هو الإعداد للحياة، وليس التهيئة للامتحانات فقط.
منذ سنوات، ارتفعت أصوات حرّة تندد وتحذر من هذه الدروس اللصوصية الشائنة، وتشرح أضرارها الفادحة، وتميط اللثام عن معايبها التي أصابت الجاثمين في مستنقعاتها من الأساتذة والمعلمين بعد أن وضعوا على عيونهم عصابات سودا حتى لا يبصروا مقدار التهديد الذي يسوقونه عمدا وعن ترصد إلى مستقبل الوطن، ولا يروا حجم الإساءة والفظاعة التي يلحقونها بغده.

لم يقبل المنتفعون من الدروس اللصوصية حملة حظرها حظرا تامّا مع بداية الثلاثي الثاني من العام الدراسي الجاري. ولما وجد تجَّارُها من المعلمين والأساتذة أنهم فقدوا ضروعا تدرُّ عليهم مداخيل مالية إضافية، فقدوا عقولهم، وثارت ثائرتهم، ووجدوا صعوبة في الفطام عن عادة ألفوها، وهي امتصاص أثداء فرائسهم في نهم وجشع، وأبدوا رد فعل مطلي بالخسة والبذاءة، ولم يجدوا من منفذ لزرع الإرباك في بعض الثانويات إلا بتوظيف براءة المتعلمين الذين ينقادون بسهولة.

الدروس اللصوصية كلها شرورٌ منذرة وقبائح منبِّئة بالأخطار المحدِقة بنظامنا التعليمي. ولا مناص من محاربتها بلا هوادة ولا تراجع، ومواجهتها مواجهة مستمرّة لحظرها حتى نخلِّص مدرستنا من هذا العامل الممرض الذي لا يستحي ولا يرعوي ناشروه طمعا في حفنات من الدنانير.
لم يقبل المنتفعون من الدروس اللصوصية حملة حظرها حظرا تامّا مع بداية الثلاثي الثاني من العام الدراسي الجاري. ولما وجد تجَّارُها من المعلمين والأساتذة أنهم فقدوا ضروعا تدرُّ عليهم مداخيل مالية إضافية، فقدوا عقولهم، وثارت ثائرتهم، وساروا في كل طرق الشطط المبالغ فيها، وابتعدوا عن جادة الصواب وعين الحق، ووجدوا صعوبة في الفطام عن عادة ألفوها، وهي امتصاص أثداء فرائسهم في نهم وجشع، وأبدوا رد فعل مطلي بالخسة والبذاءة، ولم يجدوا من منفذ لزرع الإرباك في بعض الثانويات إلا بتوظيف براءة المتعلمين الذين ينقادون بسهولة، وبلا انتقاد أو محاججة لما يُلقى إليهم، لأن الدروس اللصوصية الحشفاء حطمت في عقولهم القدرة على التفكير النقدي لاختيار الموقف الملائم في الوقت المناسب، كما قضت على تشكيلة قدراتهم العقلية الأخرى، وثبطتها وجمّدتها وأقعدتها عن الاشتغال بعد ابتداع “طريقة التعليم الميكانيكي” المبتكرة، والتي لم يقل بها قطّ علماء البيداغوجيا في شرق كوكبنا ولا في غربه عبر التاريخ.
منذ الوهلة الأولى، أدرك المسؤولون والأولياء أن امتناع المتعلمين عن الالتحاق بالثانويات هو إضراب مقنَّع، وعرفوا أن عزوفهم عن الدراسة فجأة ومن دون مقدّمات قدم من فعل تحريضي روّج له من يقف خلف الستار متخفّيا، لأنه لا يملك الشجاعة لإسقاط القناع عن وجهه. وأدركوا أنه ليس في مقدور المتعلمين المغرر بهم التفكير في تصرف لا يعرفون مٱله أو نهايته، ويتعذَّر عليهم تقدير عواقبه؛ فالمتعلمون لم يضربوا، وإنما انقادوا عفويا لاعتزال ثانوياتهم مستجيبين لدعوات مقاطعة الدراسة، وأما المُضرب الحقيقي، فهو صاحب السجلّ الأسود في الإضرابات المفتوحة في السنوات الماضية، ولكنه لمّا وجد القوانين المحيّنة تلجمه وتمنعه، غيّر وجهته حتى يتسنى له أكل الأشواك وابتلاع الأحساك الصلبة بأفواه المتعلمين الطرية، مستغلا سرعة تجاوبهم وفورة الشباب التي تغلي في دماء عروقهم. ولقد نسي أنه بصدد زراعة سابقة خطيرة وغير مسبوقة تتمثل في بذر شتلات العداوة بين المتعلمين ومدارسهم.
لقد رُمي بالمتعلّمين في أتون معركة لم يستوعبوا غرضها بدليل أن الشعارات التي سُرِّبت إليهم، وردّدوها بأصوات عالية لم يفهموا لها من معنى مستقيم. فكيف اهتدى المتعلّمون إلى معرفة أن المناهج ثقيلة وموسوعية؟ وما معنى أن يصيح بعضهم في الشوارع بعبارات كنا نسمعها في ملاعب كرة القدم، مثل: (الجيش، الشعب.. خاوة خاوة)؟!
لا يجوز مسك العصا من الوسط، واستعمال أساليب المجاملة واللين في المخاطبة لإرضاء الطرف المنغمس في وهاد الدروس اللصوصية بدعوى “تهدئة الوضع” و”المحافظة على الاستقرار في المدارس” على حساب تجويد التكوين والرفع من مردوده نوعيا.
عرى الانقطاع المفتعل الأخير عن الدراسة من طرف المتعلمين الأطراف التي تربطها شراكة مصيرية بالمدرسة، وخاصة ما يسمى “نقابات التربية” التي انكفأت وخرست ألسنتُها، ولم ينطق بعضها إلا بعد فوات الأوان. ومن المخزيات المؤلمة، أن إحدى هذه النقابات التي كانت من أكبرالداعين إلى الإضرابات المفتوحة في المدرسة في السنوات الماضية، نظّمت وقفات متزامنة مع الحدث أمام مقارّ بعض الولايات في محاولة منها للتظاهر بالدفاع عن أفراد الأسلاك المشتركة والعمال المهنيين في المؤسسات التربوية بعد أن رأت أن القانون الخاص الصادر قد ظلمها، وتلت بيانات مطلبية كالعادة، ولم تلتفت فيها ولو بنصف كلمة إلى تعطيل الدراسة واكتظاظ الشوارع بالتلاميذ. وكان هدفها المخفي هو استقطاب أعداد إضافية من المنخرطين، وكأنها لا تعلم أن المغالبة تكون بالأفكار، ولا تصحّ أن تكون بأعداد المنتسبين، وأن مشكلة الأسلاك المشتركة لا يمكن حلّها انفراديا، وإنما تتطلب سياسة وطنية عامة للأجور.
منذ أسابيع قليلة، قامت إحدى الجمعيات التي تهتم بالنشاط الثقافي في باتنة، بوضع موضوع الدروس اللصوصية على بساط البحث والمناقشة. ولما أرادت أن توسِّع المناقشة، حاولت أن تُشرك معلمين وأساتذة ممن يقدِّمونها، وبعد اتصالات متكررة لم تجد من بينهم من يلبِّي دعوتها، وانتهت كل محاولاتها لجلبهم إلى فشل. واستنتجت من إعراضهم ورفض حضورهم أنهم غير مقتنعين بما يرتكبون من آثام، وأنهم لا يملكون حججا مُغنية يستعملونها للانتصار إلى اعتقاداتهم المخبولة المتعلِّقة بصلاح الدروس اللصوصية ومشروعيتها. ومن لا يملك حسن الاعتقاد بأمر، فكيف له أن بعمل به ويروِّج له؟!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!