الرأي

عندما كان نساؤنا رجالا وعندما صار ذكراننا إناثا

لم أكن قد بلغت الحلم عندما تسرب بيتان من الشعر إلى ذاكرتي فوعتهما، ولم أعرف عنهما ولا عن قائلهما، ولا عمّن قيلتا فيهن شيئا. وهذان البيتان هما: وحق الجميلات الثلاث وبالتي

سنثأر حتى يعلم الكون أننا

أجابت فراحت للفدا تهجر الخدرا    

أردنا فأرغمنا بإصرارنا الدهرا.

وبعد أمة أن القائل هو الشاعر الفحل مفدي زكرياء، وأن من قيلا فيهن هن ثلاث كواعب أترابا، آثرن الشرف والمجد، فالتحقن بإخوانهن المجاهدين، ليحطمن عن وطنهن قيود الاستعمار الفرنسي، أنذل وأخس استعمار عرفه التاريخ البشري

إنهن جميلة بوعزة (1937 ـ 2015) التي جاء أجلها هذا الأسبوع عن 78 سنة، وجميلة بوباشا، وجميلة بوحيرد.

لقد انخرطن وأخريات مثلهن في العمل الفدائي تحت إشراف المجاهد الرمز محمد العربي ابن مهيدي، ومما عهد به إلى  بوعزة وضع قنبلة في مقهىكوك هاردي، التي أودت بحياة مجموعة من اللصوص الفرنسيين، الذين حرموا الجزائريين وطنهم وخيراته، وسلبوهم الكرامة التي منّ الله ـ عز وجل بها على بني البشر جميعا.

قبض الفرنسيون على جميلة، وزجوا بها في غياهب السجون، ولكنها صبرت وصابرت، وكان شعارها: السجن أحب إليّ منالحريةمع الذات حتى أشرقت شمس الكرامةولم أعرف ما هو رأيها فيما آلت إليه الجزائر في هذا العهد الذي أهين فيه شرف الجزائر ورموزها من المجاهدين والمجاهدات، وأرامل الشهداء وأبناؤهم، وصارت أيدي الفرنسيات.. تُقبّل على مرأى الجميع، ممن يزعمون أنه لم يخلق مثلهم في البلاد، وعما قريب ستكشف مثالبهم

لم يقدر لي أن ألتقي من هؤلاء الجميلات إلا جميلة بوحيرد، وذلك منذ بضع سنين في أحد الأسابيع الثقافية لمدينة الشبلي (ولاية البليدة)، وكنت أرى في محياها وعينيها مسحة من الحزن، لم أفسرها إلا بالهوان الذي أصاب بلدها على أيدي..

لقد ازددت إكبارا للأخت جميلة بوحيرد عندما قرأت ما كتبه عنها الأخ الدكتور طالب الإبراهيمي في مذكراته، حيث خاطبت في السجنالزعماءالخمسة قائلة: “يبدو أنه في الوقت الذي كان فيه الإخوان المعتقلون في إضراب عن الطعام، كنتم أنتم الخمسة تتلذذون بأكل السلمون والكافيار..” (مذكرات جزائري ج1، ص 178).. رحم الله المجاهدة جميلة بوعزة، وتقبل جهادها. وأمد في حياة الجميلتين الأخريين، وختم لهما بما يرضيه عنهما..

مقالات ذات صلة