الرأي

عندما يتحوّل السكن إلى مُسكّن وليس سكينة!

أكثر الوزراء ظهورا إعلاميا، منذ بداية السنة الجديدة، هو السيد عبد المجيد تبون، وزير السكن والعمران، الذي فهم أن الحقيبة التي يحملها تشبه حقيبة الطبيب أو الممرض، بيضاء اللون، التي تحمل مفاتيح السكن، التي تحوّلت إلى مُسكّنات لمواطنين مازال حلم بعضهم، أن يسكن قبل أن يحيى.

خروج كل ولاة البلاد في نهاية الأسبوع الحالي، إلى مختلف الورشات الخاصة بالسكنات بكل صيغها، وإعطاؤهم الأرقام المنتفخة، عن برامج سكنية، بعضها ارتفع بُنيانه وأخرى مازالت على الخرائط، وفي ذهن المسؤولين فقط، يؤكد أن سياسة ربح السلم الاجتماعي، مازالت هي الهدف الوحيد، في غياب برامج قوية أو مشروع أمة، يُبعد البلاد عن سياسة المسكّنات التي حوّلت كل المدن الجديدة التي استقبلت آلاف النازحين، إلى قنابل موقوتة قد تزلزل البلاد، بعد أن تحوّل تشييد الكوخ القصديري والاحتجاج بقطع الطرقات وتمثيل أدوار المنتحرين، إلى أسلوب حياة قائم بذاته، تربى عليه الكثير من الجزائريين، وقبلته السلطة التي صارت تجازي كل من يريها “العين الحمراء” بسكن مسكّن، أو عمل، من دون أدنى دراسة للواقع أو استشراف لما هو آت، في الوقت الذي لم يعد السكن يشكل أي أزمة في معظم بلاد العالم بما فيها المتخلفة، بل إن دولا نزعت عنه الحقيبة الوزارية نهائيا.

يُجمع الجزائريون على فشل سياسة السكن الاجتماعي، الذي يقال بأنه مخصص للطبقة الفقيرة، بدليل أن مختلف الحكومات وزّعت ما لا يقل عن ستة ملايين مسكن اجتماعي، قادرة على إسكان ثلاثين مليون “فقير”، من دون أن تحلّ مشكلة السكن إطلاقا، والسيد عبد المجيد تبون نفسه كان في سنة 2013 قد وعد بالقضاء على مشكلة السكن بصفة نهائية وجذرية، خلال سنة 2017 عندما أعطى أرقاما مرعبة عن القيمة المالية التي صرفتها الدولة على قطاع السكن، عندما قال للإذاعة الوطنية إن الدولة خصصت 63 مليار دولار لأجل إيجاد الحل النهائي لمشكل السكن، واعترف بأن الدولة قد صرفت في سنة 2013 سبعة ملايير دولار، وهي أرقام من المفروض أن تفتح بصددها تحقيقات معمقة في مختلف الدوائر التي تسلمت سكنات من مختلف الصيغ، من دون أن تتمكن من القضاء على مشكلة السكن، الذي تحوّل إلى سجل تجاري مُربح لدى العديد من المسؤولين، واستغله أيضا بعض المواطنين الذي تيقنوا من “ضعف” السلطة، فراحوا يمارسون جهارا “ليّ ذراعها”، إما ببناء الأكواخ القصديرية، وكثير من بُناتها يمتلكون سكنات وربما فيلات، أو بالاحتجاج بقطع الطرقات وبمشاهد التهديد بالانتحار، ويعلم السيد تبون وزملاؤه في الحكومة، بأن هذه القناطير المقنطرة من الدولارات ومن الحديد ومن الإسمنت التي تتحوّل سنويا إلى سكنات لم تحرّك قطار السكن، خطوة واحدة، بل ردّته إلى الخلف. فكل بلاد العالم نجحت في الحفاظ على عواصمها ومدنها الكبرى وحوّلت قراها إلى جنة، إلا الجزائر التي أخلطت الريف بالمدينة، فما عدنا نمتلك لا مدينة ولا ريفا!

مقالات ذات صلة