عندما يتكلّم القانون
التجاوزات الخطيرة، التي يقوم بها بعض الأفراد، ظنا منهم بأن القانون لن يطالهم، أو أن شوكته ضعيفة، فيمارسون جرائمهم بكثير من الحرية، وببعض “صحّانة الوجه”، هو الذي خلق في المجتمع بعض الآفات، التي تحولت مع مرور الوقت إلى مزمنة، حتى أقسم الناس على أنها تولد مع المرء، في كروموزوماته أو أنها من غير علاج، وجعلتهم يؤمنون بأن القانون مجرد نظريات في أحسن الأحوال، لا يمكن تطبيقه أو على الأقل غير صالح أو مجدٍ مع كل الناس.
وما حدث مؤخرا من حرب ضروس، ضد المضاربين بالسلع المدعّمة، أكد للمرة الألف أن التطبيق الصارم للقانون هو الذي يعيد الحق إلى مكانته الأساسية وينصر المظلوم، مهما كانت قوة المجرمين.
كان يكفي أن تتهاطل الأخبار المؤكدة، عن الزج ببعض التجار وموزعي المواد الاستهلاكية في السجون بأحكام ثقيلة، حتى يرفع المضاربون رايتهم البيضاء الاستسلامية، ويُخرجوا ما اكتنزوه من سلع، حتى إن مشاهد الزيت والسميد والفرينة صارت واجهة لكل محل تجاري، بعد أن حوَّلها هؤلاء المضاربون إلى كنوز ليست في متناول الجميع.
يُجمع الجزائريون منذ زمن بعيد، على أن التطبيق الصارم للقانون هو وحده ما يعيد الناس إلى جادة الصواب، ويباركون كل خطوة صارمة، يقوم بها أي مدير مدرسة أو رئيس بلدية أو مسؤول على مزرعة أو مصنع… ولو أعلنت العدالة عن تجريم من يرمي القاذورات في الطرقات، أو من يجهر بالكلام الفاحش أمام الملإ، أو على من يحتل الشارع للتجارة الفوضوية أو لحراسة سيارات الناس بالقوة، فستجد الجميع يهلل ويثمن أيّ خطوة لأجل الدفاع عن المجتمع، كما هي الحال في الدفاع عن الاقتصاد الوطني، لأن الجزائري ارتضى الإسلام دينا وهو يعلم ما فيه من حدود صارمة في قوله تعالى: “فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله”، أو قوله: “ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله”، وقوله: “أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسنّ بالسنّ والجروح قصاص”، وغيرها من الآيات القرآنية التي حفظوها، واعتبروها دليلا على وجوب معاقبة المجرم من دون رأفة.
يتمنى الجزائريون أن تبقى هذه القوانين حية على الدوام بروحها، فلا يمكن أن نبني جسر الثقة المقطوع بين القاعدة والقمة، إلا بتثبيت دعائمه بالتطبيق الصارم للقوانين، وكلُّ المواطنين الذين استغربوا في الفترة الأخيرة خلوَّ المتاجر من بعض المواد الأساسية، كانوا يُكذّبون كل الأرقام التي كانت تقدمها السلطات عن كمية الزيوت المستورَدة والمنتَجة والموزَّعة، إلى أن أظهر القانون الحقيقة، وصار كلما سقط بارون مضاربة إلا وتنفس المواطن مزيدا من الطمأنينة، وهو ما فتح شهيته لأجل انتصارات اجتماعية أخرى، يكون المحرِّك فيها هو القانون، ولا شيء غير القانون.