عندما “يرجمنا الشيطان” في منى؟
فضّلتُ أن أتابع مشاهد مأساة منى، في أول أيام العيد الحزين، عندما كان الملايين من المسلمين يحتفلون بعيدهم الكبير، وفي انتظار أهلهم في آخر محطة من خامس فرائض الإسلام، عبر شاشات ومواقع عالمية، فعرفت بأن ما حدث في منى من تدافع للحجاج، أو سوء في تنظيم البلد المضيّف أو “مؤامرة إيرانية”، هو كارثة كبرى، وإساءة بليغة في حق الإسلام، الذي منحنا الأعياد لنفرح، ومناسك الحج لنتوحّد، فجعلناها أياما للمآسي، وسيجد أي مسلم صعوبة في ابتلاع ما حدث، ولا نقول في شرح أسباب ما حدث لأي مواطن غربي، علم بأن المئات من المسلمين من كل بقاع العالم في عيدهم الأكبر، وفي مكانهم المفضل لقوا حتفهم ركلا ورفسا، وهم يتسابقون لرجم شيطان، تعاهدوا على أن لا يتبعوه.
صحيح أن الموت قضاء وقدر، وأينما نكون يدركنا، وصحيح أن كل من عليها فان إلا وجه الله ذو الجلال والإكرام، وصحيح أن الموت في مكة المكرمة أو المدينة المنورة، هو هبة القدر لبعض من عباده، لكن الأصل في الحج هو الحياة التي لا رفث فيها ولا فسوق، وإذا تواصل الموت في البقاع المقدسة بهذا الشكل بين الحرق والدهس والعجن تحت الرافعات، فإننا نخشى أن نصل يوما إلى أن ندخل الحج ضمن معادلة ولا تلقوا بأنفسكم للتهلكة، ويصبح الحاج يكتب وصيته قبل ان يغادر وطنه لأداء الفريضة الخامسة، لأن جيوشا صارت تدخل حروبا طاحنة، ولا يهلك من جنودها نفس العدد الذي يهلك في أيام الحج المباركة.
في عام 1985 عندما ألقى فريقا جوفنتوس الإيطالي وليفربول الإنجليزي في ملعب هايسل في بلجيكا بجمهورهما “الشوفينيين” في لقاء من أجل التتويج بكأس أوروبا في لهو كرة القدم، سقط في تدافع داخل الملعب 39 قتيلا، فنكست الأعلام وأعلن الحداد وعوقب حتى مهندس الملعب، وأعلنت انجلترا إجراءات صارمة، في حق المتسببين في الكارثة وسارت على نهجها إيطاليا وبلجيكا، ومرّت ثلاثون سنة ولم يُعِد التاريخ نفسه، حتى صار اللهو عندهم حياة، ويموت عندنا في أحلى زمان وأحلى مكان، أغلى الناس، ويقارب عددهم الألف، ومع ذلك تطوى الصفحة ضمن المقولة الجاهزة التي نواجه بها خيباتنا وهي “قضاء وقدر، ومن مات في الحجاز فهو شهيد”.
عندما نعلم بأن كل تلفزيونات الكيان الصهيوني، أوقفت برامجها وركزت على أحداث منى، وراحت تشرح بكثير من المغالطة ومن السخرية والخبث، ركن رمي الجمرات، وتقدم إحصاءات سابقة عن عشرات الآلاف من القتلى في البقاع المقدسة، ندرك بأن ما حدث يوم العيد في منى، هو إساءة للإسلام نكاد نجزم، بأنها أشد إيلاما من إساءة رسامي الكاركاتير الدانماركيين وصحفيي شارلي إيبدو وعمليات الانتهاك الصارخ لبيت المقدس التي هندسها الصهاينة، ونعود لنسأل عن معنى كلمة الاستطاعة في فريضة الحج؟