-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
عمر أزراج يفجر قصته مع الحزب الواحد ويكتب للشروق:

عندما ينعقد مجلس وزراء طارئ من أجل قصيدة شعرية

عمر أزراج
  • 18603
  • 26
عندما ينعقد مجلس وزراء طارئ من أجل قصيدة شعرية

أيها المدمن برق الخمر في ليل المفازات وعشب السرّة الولهى وصفصاف الجسدْوكواليس قصور الحكم في الحزب والدولة، عد نحو البلدْوالمدى الممتدّ نايا في شرايين الأبدْقل وداعا، إن غرناطة روحي في ملفات المقاولْقل وداعا، إن غرناطة في مبنى الدركْهكذا ضاعت بلادي.

  • مقاطع من قصيدة “العودة إلى تيزي راشد”
  • أيها الحزب الوحيدْ
  • أدرك الشيب الصغارْ
  • أيها الحزب الوحيدْ
  • غزت النار الديارْ
  • أيها الجالس كالفقر علينا
  • أيها الواحد كالقفر فإنّا
  • نرفض النزهة في السجن والإنجاب في المنفى المشجرْ
  • أيها الحزب المحجرْ
  • أيها الحزب الذي فرّخ غابات الطحالبْ
  • ونمت مثل المخالبْ
  • إننا نطلب شيئا واحدا منك: تجددْ، أو تعددْ أو تبددْ
  • فأنا القائل لا وَاحدَ إلا الشعب والباقي زبدْ
  • آه أطفال البلدْ
  • البسوا أحلامنا الحافيهْ
  • ثم صيحوا في البراري: يسقط القيد وظل الطاغيهْ
  • إنه الطوفان، لا شيء يقي الأعداء، لا البحر، ولا البر، ولا القصر،
  • ولا السجن الذي دشن في قصر العدالهْ.
  • أيها الحزب الذي يدعى الوسطْ
  • إن شعبي قد قنطْ
  • كل شعبي قد قنطْ
  • صدق الكافر بالجنّة إن كان بها قوّادْ
  • وشرطيٌ ولصٌّ وسوَطْ.
  • آه ما أضيق خلخال الهواء في بلادي.
  • عندما يروي الشاعر قصة إحدى قصائده فإنه يسرد بواسطة ذلك جزءًا من تاريخه الشخصي، وربما حكاية وطنه. فالشعر ليس فقط مرآة للأمة في أي زمان ومكان وإنما هو ملتقى طرق تواريخها. يقول أحد الشعراء الروس بأنه يجب على الشاعر “أن يدافع عن حظوظ الضمير، والحب، والصدق وحظوظ العصر، وينبغي بعد ذلك أن يهاجم الشر”. لا شك أن الشاعر إنسان يعيش بين الناس ويعاني ما يعانونه ويحلم مثلهم بتحقيق وثبات التقدم والتحديث المادي والروحي في مجتمعه. وهكذا فالشاعر هو صاحب رسالة وبدون حمل أثقالها بشجاعة، وصبر، وتنفيذها بقوة الفن، وبصيرة الفكر فإنه يبقى على هامش التاريخ. إذا كان العرب القدامى اتفقوا بأن الشاعر هو ابن بيئته فذلك لا يعني مطلقا أنه نسخة نمطية من تلك البيئة حيث يرسمها كما هي ويثبت كل عناصرها الثقافية والفكرية والروحية والمادية بل فإنه يحوّل ويعدل ويغير هذه العناصر مجتمعة ويؤسس لجمالية التقدم والحداثة.
  • أقول بأن الشاعر لا يعارض وطنه وإنما يعارض كل ما يسلب هذا الوطن قواه الروحية ويجمد أحلامه في الازدهار وفي تجاوز كل أشكال التخلف بما في ذلك الفقر التعبدي “الروحي” والمادي معا. اقتطف هنا ما قاله لي يوما الشاعر الداغستاني ـ الروسي “رسول حمزاتوف” عندما كنت ضيفاً عنده في بيته بجمهورية داغستان في التسعينات من القرن الماضي: ” للشاعر ثلاثة معلمين: أولا الطبيعة، لأن أهم شيء هو أن الطبيعة ذكية، فإنها إن لم تمنح الإنسان ذكاءً فإنه سيعيش في قفص الحمق. إن الشاعر يفهم لغة الجبال والأنهار والنجوم. أما المعلم الثاني فهو القرون التي مضت، أي التاريخ الوطني، والمعلم الثالث هو قادة الفكر والعباقرة في كل زمان ومكان”. على ضوء ما تقدم فإن قصيدة “العودة إلى تيزي راشد” قد نهلت من كل هؤلاء المعلمين وبذلك يمكن أن أقول أنها على صلة بالتاريخ وأقصد هنا تاريخ شعبي طوال حقب الاحتلال والاستعمار وفي فترة الاستقلال الشاحب.
  • لا بأس أن أوضح بأنه في عام 1984 كنت أمينا وطنيا باتحاد الكتاب الجزائريين ومسؤولا عن العلاقات الخارجية في هيئته المنتخبة. لم أكن، إذ ذاك، مرتبطا بأي حزب معلن أو سري ولم تكن لدي أي علاقة بالسلطة السياسية أو بأي التزام نحوها. في تلك السنة بالذات شاركت في مهرجان محمد العيد آل الخليفة ببسكرة وفيه ألقيت قصيدة “العودة إلى تيزي راشد” التي قدمت فيها نقدا واضحا لحزب جهة التحرير الوطني باعتباره الواجهة السياسية للنظام الحاكم بقيادة الرئيس السابق الشاذلي بن جديد الذي لم يقدم أي جديد لحياتنا ما عدا تنصله من الاشتراكية البومدينية (نسبة لبومدين) والتي لم تكن تستند إلى أية نظرية فكرية علمية، بل كانت اشتراكية التخلف، وشراكة في التوزيع العادل للفقر الفكري والعقائدي، وفي تغييب التعددية بكل أشكالها. كما أن مرحلة الشاذلي بن جديد قد تمكنت بعصا الساحر من التمهيد لمرحلة الرأسمالية اللقيطة والمتوحشة في بلادنا. فور إلقائي لهذه القصيدة في ذلك المهرجان الذي تحول إلى فوضى صعد المحافظ الوطني لمحافظة ولاية بسكرة وعضو اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني السيد حمو لحرش وألقى كلمة اتهمني فيها جهرا وبصوت غاضب بخيانة مبادئ ثورة نوفمبر والاعتداء على سياسات الدولة والحزب الحاكم. عندئذ بدأت الملاحقات الأمنية تشن ضدي وفتش منزلي بدائرة الأخضرية بالكامل قبل أن أصل إليه من بسكرة، واستجوبت لثلاث ساعات كاملة بداخل وزارة الدفاع وصودرت مني وثائقي الرسمية التي هي حق وطني، وأمرت من طرف ثلاثة ضباط بالتوقيع لمدة مفتوحة حتى إشعار آخر كل صباح في مركز الأمن المركزي الذي يجاور فندق السفير (الأليتي سابقا).
  • في هذه الأثناء بالذات أوكل ملفي والقصيدة معا للعقيد “مصطفى بن عودة” عضو اللجنة المركزية وأمانتها الدائمة ومسؤول الانضباط فيهما وراح هذا الرجل يوغل في تضييق الخناق حولي بموازاة مع جهاز أمن الدولة. وفي إحدى الليالي تعرضت في شارع “طونجي” بالعاصمة لهجوم بسيارة سريعة رمتني بقوة ثم غادرت المكان بالسرعة ذاتها وعندما عاد إليّ الوعي وجدت نفسي ملقى فوق قمامة مطاطية ومغموسا في دمائي النازفة بغزارة ثم توجهت إلى المستشفى حيث ربطت جراحي الكثيرة، خاصة في الوجه والرأس، بالغرز.
  •  وفي الأيام التالية تم تداول أمري في مجلس الوزراء برئاسة الرئيس الشاذلي بن جديد قدم لي حيثيات ما جرى الصديق الراحل “عبد الرحمان شيبان” الذي كان وزيرا للشؤون الدينية آنذاك. لما بدأت التعقيدات تحاك ضدي أمنيا وحزبيا توجهت إلى صديقيّ مولود قاسم وعبد الحميد مهري وتحدثت إليهما بخصوص وضعي الخطير كل على حدة، مع العلم أن كلاهما كانا عضوين في اللجنة المركزية وفي أمانتها الدائمة. لقد دار بيني وبين الصديق الراحل “مولود قاسم” حديث طويل في جو متوتر سأسرد حيثياته فيما بعد. عندما قابلت الأخ عبد الحميد مهري في مقر عمله اقترح عليّ بحكمته المعهودة فيه باختصار شديد وبلهجة فيها من التعاطف الكثير “أن أغادر البلد حتى ينسوني وأنساهم”. وبالفعل قد عملت بوصية الأخ مهري وغادرت بطرق خاصة إلى بريطانيا منفاي الذي حملت معي إليه في جوانحي بلدي الجزائر وشعبي الذي أحب.
  •  في الحلقات المقبلة سأروي تفاصيل قصة هذه القصيدة، وسيرتي الشعرية كابن فقير عاش الثورة التحريرية كطفل تجرع الآلام بكل أنواعها، وكشاب شاعر وكاتب يريد أن يكون الشعر خلاصا له، ولعثرات الوطن، وكمغترب كرّس وما زال يكرس حياته للتحصيل الثقافي والفكري، وللعمل الإعلامي بانتظار العودة إلى تيزي راشد، البلدة التي بدأت فيها رحلتي الشعرية.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
26
  • عيسى ابن الجنوب الكبير

    لا تقل وانا القائل لا واحد الا الشعب والباقي زبد اقول لك صحح الشطر وضع بدل عنه وقل لا واحد الا الله ثم من فضل ثم الشعب والباقي زبد

  • جلول السطايفي

    يا عمر.... الشعر يصحى بالضمير في ذات الغير ... و هم ماتت ضمائرهم
    يا عمر .... الشعر وضوء القلوب من قهر الأسى ...و هم قلوبهم مقفلة..
    يا عمر .... الشعر خطاب العقل للروح... و هم بقهر الغريزة صاروا و ظلوا أحمرة
    يا عمر.... الشعر فولاذ و إن طوى بيارقه... سيظل حرا طليقا لا تهزمه الدوائر..
    يا عمر....بالحق أنت اليوم عمرو...و همو همو...وشتان بين طلقة و حزقة..

  • نونو

    روعة

  • chemseddine

    حكموا بالسم الحزب الواحد منذ 1962 فافقروا البلاد وشرَّدوا العباد اليست هذه مؤامرة؟لكن لا ادري ان كانت داخلية ام خارجية؟!

  • حسين

    لا أجد ما أقوله في ما قصه شاعرنا إلا قول الشاعر:
    ذو العلم يشقى بالنعيم في علمه & وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

  • بدون اسم

    سيدي عمر
    معلقتك هده تنبى عن فهم عميق ووعي دقيق عن تاريخ الجزائر سياسيا

  • Mohamed

    أهجوهم يا عمر، فإنه أشد عليهم من وقع السيف، عاشت الكلمة الحرة، والخزي و العار لمثقفي البلاط.

  • amal

    بارك الله فيك يا استاذ

  • رابح

    هذه القصة أعرفها من زمان من طرف ابنكم نبيل صديقي العزيز الذي هو بمثابة أخي حتى انه يشبهني شكلا ولم يكن الأساتذة يفرقون بيننا في القسم فكانوا ينادونني أزراج

  • محمد الأمين

    هكذا تكون الإحترافية يا شروق، و الله شيء يفرح عندما يظهر من حين لآخر رجال قالوا كلمة حق و لا يريدون من ورائها لا مال و لا جاه. و هذا يعطينا أمل كبير أن الجزائر مهما المصائب التي حلت بها ستستعيد بإذن الله عافيتها و بفضل أمثال عمر أزراج

  • عزوز

    وأنا أقول بدوري مساندا ومؤيدا الأخ أزراج وهاجيا النظام المتخلف الذي يحكم الجزائر بالقهر والرداءة:
    سنضربك أيها الداب
    حتى يستقيم ظهرك
    فإن لم يستقم سنضربك
    حتى ينشق قبرك

  • بادر سيف

    الله الله ...يا عمي عمر ، كم استمتعت بشعرك و انا طالب بالجامعة ، كنت دائم البحث عنك في دور الثقافة ..الى ان اكتشفت انك تعيش خارج البلاد ...فسلام الله عليك و دمت رجلا صادقا

  • azzo76

    شكرا للشروق على هذا المقال للشاعر الكبير عمر ازراج ونتمنى نشر المزيد من الحلقات من ذكريات الشاعر ازراج الممتعة حتى يتعرف الناس على نضال رجالات الكلمة في الجزائر في وقت كان فيه الصمت دين الجميع

  • جزائرية

    ما أروع شعرا وقف في وجه الأحادية السياسية وما سيزيده روعة أن ينزع عنه ثوب الحزبية المخفية....

  • محمد معروف

    للكلمة والموقف ثمن ، الشاعر دوما على شفير المقصلة ،قبل شجاعة الشجعان هذا الصباح ...

  • أهلا

    نود أن نعرف المزيدعن الشعراء الحقيقييين ..وأنت منهم .

  • kada

    افي الجزائر أمثال هذا الرجل ؟ مغبونة والله أنت يا جزائر والله مغبونة ، كم رخيصة حياة بلا وطن ، و كم هو عظيم رجل يضحي بنفسه من أجل وطن ، و كم هو جميل أن نقرأ عن هذا الشجن .. فكر و حب و موقف و شجاعة --- لله درك يا شاعرنا مرحبا بك أنت أالأصل، و لن يموت و لن يقتلعوا جذورك يا أصيل ، ......

  • عبد المجيد

    '' إن الشعر لحكمة ''

  • بدون اسم

    قلت للحزب سيدي
    تجدد او تعدد اوتبدد هل تجدد؟ هل تعدد؟ هل تبدد؟ هذه عبارات لا يفقهها الحزب المقصود ويعتقد انه مؤبد في مكانه مخلد وغيره له ممجد فسبحان الله الواحد الموحد

  • احمد

    حقا انت شاعر حي وستظل حيا و إن مت .عذرا إن الرداءة علت والشجاعة انحسرت.

  • mohamed

    غادرت الجزائر في زمن الحزب الواحـد
    وعدت لتجـد تعددية الأحزاب تشكل حزب واحـد
    يعنـى الحاج موسى وموسى الحاج
    فمن أين تبدأ قصيدتك اليوم
    و هل يجـد أمثالك مكان فــي زمان فنانــي الراي
    والشيخ عبد ملكبار

  • sarah

    hadi hiya bladna aktab wahrab

  • أ.محمد

    لا تغضب يا عمر ليس كل من يجلس على الأريكة يتألم لرقة حسك ونبل عاطفتك وعلو فكرك ولن يفهموك لأنهم يعتقدون أن الشعر عبارة عن كلام _القزانات_ في سوق الحراش

  • انا

    ما اقوى واشد وقع الكلمة

  • عالبير

    عكس بعض اشباه المثقفين الذين كانو يصفقون

  • bozy

    عاش الشعر في بلد الشعر والشعراء