عندما يُنكّل بالتّعليم ويُعبث بالاقتصاد في بلادنا
إذا واصلنا في التنكيل بالتعليم بهذه الطريقة، وأكملنا العبث بالاقتصاد بنفس الأسلوب الذي جعل الدينار الجزائري يصل إلى أدنى مستوياته، فستكون نهايتنا كارثية، وستعيش الجزائر في سنوات عجاف، يضحى فيها شعبنا أجهل شعوب العالم وأفقرها، في أرض أخرجت أعظم علماء المعمورة، وتتربع على مساحة شبه قارة تحتوي على كل أنواع الثروات الطبيعية والمعدنية بامتياز.
هذا ما يحدث لنا، عندما يقع الإثم الذي كنا نحاول اجتنابه دائماً، وبذلك تتغير الموازين، لتتحول إلى مسلمات تحكم الوطن.. إنه ما يحدث لنا، عندما تظهر نتائج كنا نضع احتمالات وتخمينات لاجتنابها، لنتأكد يقيناً أن الوطن يسيطر عليه بعض الحكام الذين لا يفقهون من الحكم إلا عنوانه، بل ولا يعرفون أدنى أبجديته.
إن ما يقع من توجهات مختلفة نحو قضايا التعليم والاقتصاد في البلاد، مواقف تدعو للدهشة، إنه لمن الغريب أن يقف حكامنا على منابر الاقتصاد التي تدعوا إلى رفعه، وهم متشبثون بقوانين إسقاطه وتدنيه، فيأمرون المواطن بضخ أمواله في البنوك الجزائرية، وهم يملكون الملايير في البنوك السويسرية ليرفعوا بها الاقتصاد الأوروبي!؟ هل وصل بهم الحال إلى درجة الاستخفاف بالعقول، عندما يحوّلون، الطور الأول الابتدائي إلى “الطور الأول الدارجي”؟ ألا يخاف هؤلاء من شعوذة الاقتصاد، وطلاسم التعليم التي ستعود عليهم بانقلاب السحر على الساحر؟
الآن، وأكثر من أيّ وقت مضى، أصبح من الواجب القيام بالتجربة المجدية، على ما يحدث في واقع التعليم في الجزائر وتفسيره بأسلوبه الصحيح، للنجاح في هذه المهمة وتغيير نمط التجربة إلى الأحسن، لنحصل على تعليم يهدف إلى رفع المستوى الدراسي، ووضع طريقة صحيحة لتسيير قوانين الوزارة وتعديلها حسب الحقوق والوجبات، وإعادة النظر في واقع المنظومة التربوية.
لقد أصبح من الواجب علينا الكف عن تفسير”سياسة التقشف” على أنها عبارة عن ترشيد النفقات بحذر حتى يتم اجتياز خطر انهيار أسعار الدينار والبترول، وأن الحكومة لا تعتمد على هذه السياسة التقشفية، بل على محاربة البذخ وترشيده، وأضحى من المجدي تسمية المسمّيات بأسمائها، وأن نقول الحقيقة التي يجب أن تقال للشعب، والتحلي بالصدق مع المواطنين، وأن نضع كل هذا في ميزان الاقتصاد، لنخرج من تفقير هذا الشعب، وليس ترشيد موارد الدولة لتخفيض النفقات العامة، كما تدعي الحكومة؟
بكل بساطة، إذا كان هناك ما يمكن فعله الآن، ولم تفعله الحكومة بعد، إزاء التعليم والاقتصاد، فإنها تكون قد فشلت بمقدار أهميتهما، وعندئذ قد تكون التبعات أكثر خطورة من كل التوقعات، كم لدى نخب الدول وحكمائها من رؤى صحيحة بقيت حبيسة لا ترى النور؟ والسر في ذلك، هو أنهم غير قادرين على عرض أفكار مقنعة، وإقناع الشعب بمبدأ الفكرة المنطقية، والبرهان المدعم بالحجة، وإذا فكرنا قليلاً، بعيداً عن منطلق التعصب القومي، لماذا يبدو أحياناً ما نراه من المستحيل في مجتمعنا، هو ممكن للأمم الأخرى؟ ولماذا حققوا ما نعجز عنه نحن، عندما يقومون بتحويل المساعي الذاتية إلى مساعي موضوعية هادفة، سواء كان في التعليم أو الاقتصاد؟
* مؤلف وكاتب جزائري